فهرس الكتاب

الصفحة 16141 من 23694

-فجثا أحمد على رُكْبَتيْه.. ثم نظر إلى السماء بعينيه... ودعا بما شاء اللهُ له أن يدعو في مثل تلك اللحظات الرهيبة... وبعد ذلك عاود نظره إلى الأرض دون أنْ يلتفتَ إلى الخليفة.. أو إلى أحد من رؤساء المعتزلة الذين كانوا يحيطون به إحاطة السِّوار بالمعصم. فما كان من المأمون -وقد أخذته هيبةُ هذا الإمام الجليل - إلا أن أمر بإرجاء المُناظرة والجلسة.. والتحدي والحديث إلى ليلة الغد.. وإعادة ابن حنبل إلى سجنه.

ولم يمض النصفُ الأول من الليل كما أجمع المُحدِّثون الثِّقاة كافة.. وكما أجمعتِ الروايات الصحيحة كافة أيضًا.. إلا وسُمعتْ صيحاتٌ مُتتالية اختلط فيها عويلُ النساء بصخب أصوات الرجال... أعقبتْها ضجةٌ وجلبةٌ غير عادية في قصر الخليفة المأمون.

وماهي إلى لحظاتٌ.. حتى أقبل الخادم مهرولًا باتجاه الغرفة التي سُجن فيها الإمام ابن حنبل بانتظار مناظرة ليلة الغد، وراح يوقظه من نومه.. وهو يقول:

"صدقتَ والله يا أحمد.. القرآنُ كلامُ الله غير مخلوق، لقد مات أمير المؤمنين يابن حنبل.. لقد مات قبل أنْ ينال منك".

وحين فتح أقرباءُ الخليفة المأمون وأهلهُ وصيَّتهُ بعد دفنه.. وجدوا فيها توصيةً لأخيه"المعتصم"بأنْ يُتابع السير على نهجه فيما يتعلَّق بإجبار الناس على الأخذ بقول المعتزلة، فما كان من الخليفة الجديد، إلاَّ أنْ أحضر الإمام ابنَ حنبل إلى قصر الخلافة، وطلب من ابن أبي دؤاد كبير علماء المعتزلة الذي كان يجلس بجانبه مع لفيفٍ من القُضاة والعلماء أنْ يُناظروا ابن حنبل من جديد.

وجرتْ مناظرةٌ حامية الوطيس.. طويلة الزمن.. امتدَّت حتى الساعات الأولى من الفجر.. افتتحها الخليفة المعتصم بقوله:

-الخليفة المعتصم: ماذا تُحبُّ أن تقول يا أحمد في بدء المناظرة.. وأنتَ على ماأنتَ عليه من علمٍ ودراية وفقه...؟

-الإمام أحمد: أُحبُّ أن أقول الآتي يا أمير المؤمنين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت