فهرس الكتاب

الصفحة 16086 من 23694

والبديه عنده أنواع، فهو"ينقسم أفانين، ويصرّفُ للنَّفْر أطانين: فمنه القَبَلُ، ولعلّه فيه أجرى من"سبل"، أو هو السّبَلُ. والمراد"بسبل"الفرسُ الأنثى المعروفة، والسّبَلُ: المطر. وبديهُ التمليط، ولا تجود الراسيةُ بالسّليط، وبديهُ الإعنات، وذلك الموقظ من السّنات، وهو يختلف كاختلاف الأشكال، ولا ينهض به ذو الوكال" (47) فخير البديه ما جاء مرتجلًا، متدفقًا صادرًا عن طبع وموهبة، وأسوأ البديه ما تكلّف فيه صاحبه، وأجهد نفسه.

ويبدو المعري، فيما ذهب إليه جميعه، متناقضًا، فهو تارة يؤثر شعر الروية والفكرة وتارة أخرى يميل إلى كلام البديهة وابن الساعة. وقد ظهر هذا التناقض أيضًا في صنعته الشعرية. فالمعري "قد كان يدير شعره في نفسه مرات قبل أن يمليه" (48) غير أن"كثيرًا مما نظمه (في اللزوميات) ، ليوفّي به شروط ما التزمه، أو يتمّ به بعض الأبواب، لم يخلُ فيه إلى نفسه كثيرًا، كسائر ما في الظائيات والشينيات" (49) ولعلنا نستطيع أن نوفق بين الموقفين في نقده: فلا تناقض بين شعر الروية والبديه، عنده، ما دام مصدر كلّ منهما الموهبة المتّقدة، والغريزة المتدفقة."

نخلص أخيرًا مما تقدّم كلّه إلى ما يلي:

أولا: إن الطبع عند المعري هو أصل الشعر ومصدر شرّاد المعاني لا تعارض بينه وبين الصنعة. بل إن للمهارة الصناعية والعلم المكتسب دورًا في الإبداع قد يتقدّم على الطبع والغريزة. أمّا ما يقابله فهو التصنّع، وهوسمة ما صدر عنّ جهدٍ وتكلّف مشقةٍ.

ثانيًا: الموهبة أو الغريزة أساس الإبداع عنده. غير أنه لا بد لها من التهذيب بالدربة والاكتساب. والغريزة عنده أساس النقد أيضًا، لهذا كانت النساء أقدر من الرجال على النقد، لأنهنّ أقوى غريزة منهم.

ثالثًا- الشعر عنده سحر، والشاعرية وحي شيطاني، تختصّ بها أمة العرب دون غيرها. والشعر أيضًا قرآن إبليس، لا ينفق على الملائكة إنما هو للجانّ فقط. غير أن الملائكة قد تعين على نظم الشعر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت