فهرس الكتاب

الصفحة 16085 من 23694

ويميّز المعري بين الروية والبديهة. أمّا شعر الروية، فهو شعر الفكر الهادئ المتأني، وعلى نقيضه شعر البديهة، وهو البعيد عن الفكر، الذي يقال لوقته:"فمن قصيدة كالخلخال، ليس بناؤها من معنىً بخال، ومن أخرى مثل السوار، صدرَتْ عن صدرٍ بالفكرة شديد الأُوار، وسائرةٍ في الآفاقِ خفيفة المحْمَل على الرفاق، كأنها القرط العَطِر أو الشّنْفُ، حملَتْه الأُذُن وسامًا ريّاه الأنفُ، وأبياتٍ عَمِلَت في بديهٍ خُتِمَ بها المجلسُ ونجوى ناديه، فكأنها خاتمُ يدٍ خُتِمَ بها وقتٌ غيرُ مُفَنّدٍ، فأدركته علّةٌ من أمر الله، عاقت الخَلَدَ عن الفكر واللسانَ عن الذّكْرِ" (43) ونحن نلاحظ في هذا الكلام، إضافة إلى إشارته إلى الصلة بين صنعة الشعر وصنعة الصائغ، أنه يقدّم شعر الرويّة على شعر البديهة، ولعلّ قوله في اللزوميات يؤكّد ذلك:"

ولم يتناوَلْ، دُرّةَ الحقّ، غائصٌ

وهنا أيضًا الصلة واضحة بين الفكر والروية. وقد كان المعري شاعر فكرة. غير أن الجميل قد يكون بديهة، فتكون الروية عثرة. وفي هذا عودة إلى مذهب الشك عنده: ... وضَنّ بفعل الخيرِ لمّا تفكّرا (45)

وفي الناسِ من أعطى الجميلَ بداهةً

والمعري مُعجَب بشعر البديهة، وكان قد قال في أوائل أشعاره: ... وفيكَ وفي بديهتكَ اعتبارُ (46)

أَيَدْفَعُ معجزاتِ الرُّسل قَوْمٌ

وكأنه يساوي بين شعر البديهة والمعجزات. وهنا، أيضًا، إشارة إلى الفعل السحري الذي يقوم به الشعر بتأثيره في النفوس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت