وتبقى المشكلة قائمة بعد الإسلام في قضية مصدر الوحي الشعري: أهو شيطاني أم روحي؟ هنا يخلص المعري إلى القول بأنه شيطاني، ولكنه يقيّد ذلك بإسلام الشيطان، مستشهدًا على كلامه بموقف الرسول من القضية. فهو يتابع حديثه عن انتقال شيطان الشعر إلى النكتي، مفسّرًا هذه الظاهرة بقوله:"ولا مُرْية في أنّه (أي شيطان الشعر) قد أسلم. ولولا ذلك لم يرغبَ استصحابَ رجل من أهل التفسير لكتاب الله جلّ سلطانُهُ، عالم بلغة الرسول، متظاهر بالصيانة وحُسْن المذهب مُذ كان في المهد إلى أن هَمّ بُرمَيْحِ أبي سعد. أوليس قد جاء عن النبي (ص) حديث، معناه أن الإنسان لا يخلو من شيطان مُوَكّل به."
قيل: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ولا أنا. ولكني أُعِنْتُ عليه فأسلم. وكيف لا يُسلم صاحبُهُ (أي صاحب النكتي) أدام الله عزّه، وقد أملى تفسير سورة الإخلاص كتابًا، نُسختُه عند أبي بكر المؤدِّب، أدام الله سلامته" (38) وبذلك، يكون المعري قد فسّر علل شاعرية الفقهاء والمحدّثين."
إن أبا العلاء في رسالته هذه إلى النكتي"لا يبدي رأيه بصراحة في شياطين الشعراء، ولكنه يعتمد على ما جاء عن العرب من أساطير. بل إنه أميل إلى الإنكار" (39) وهو في رسالة الغفران أيضًا"يؤثر في نقده أن يدور قليلًا، ولا يصرّح بالإنكار" (40) .
عدم التصريح هذا، مردود إلى"حالة الشك التي تغلب على كثير من آرائه. ولكنّه صرح بإنكار الشياطين والملائكة في اللزوميات، اعتمادًا على أنه لم يدركها بحسّه."
وذلك إذ يقول:
قد عشت عمرًا طويلًا ما علمتُ به
وكأنّ الحسّ مصدر العلم بهذه الكائنات. ... من الناسِ، إلاّ بالروّية والفِكر (44) .
وممّا يتصل بالإلهام شعرُ البديهة. والبديهة"إسراع في إبداء الفكرة. يقال: أجاب بديهًا وعلى البديهة، أي من غير تفكير أواستعداد سابق. وله بدائِه في الكلام، أي بدائع" (42) وخلافها الرّويّة."