ويخص المعري أمّة العرب بالشاعرية، وذلك"لأنّ إبليس اللعين نفثه في إقليم العرب، فتعلّمه نساء ورجال" (32) فالشاعرية يشترك فيها الرجال والنساء على السواء، ولا يختص بها جنس محدّد. وإذا كانت الشاعرية تنتقل من الرجل إلى الآخر عن طريق التلمذة، فإنه يرى إمكانية انتقال شيطان الشعر من شاعر إلى آخر:"فإن كان الشاعر منهم ينتقل من رجل إلى رجل، فيجوز أن يكون قد انتقل إليه (أي النكتي) ، أدام الله عزّه، صاحبُ النابغة أو الكندي، فما ذلك ببديع ولا بَدِيّ، وقد مرّ في أسفاره بالموصل. وأغلبُ ظني أن أبا زاجية علق به، ورغب في صحبته لأنه ذكّره بصاحبه الأزديّ" (33) فشيطان الشعر هو الذي يختار صاحبه لمقاييس خاصة به، منها هنا شبه الشاعر الجديد بصاحبه القديم. وفي هذا القول ردٌّ على إمكانية إبداع الشعر بالاكتساب.
ويبرز الأثر الإسلامي في تناول المعري لقضية الالهام، وذلك من خلال دراسة علاقة الشعر بالجن والملائكة. فالشعر عنده (قرآن إبليس) و"لا ينفُق على الملائكة، إنما هو للجانّ وعلّموه ولَد آدم" (34) .
هناك، إذًا، تناقض بين الوحي الشيطاني والإيمان الديني. هذا التناقض يبرز جليًا في تساؤله عمّن يقول الشعر في خاطر الفرزدق،"أجنّيّ مَرَدَ، أم مَلَكٌ بالعبادة تفرّدَ؟ قد حِرتُ في ذلك. خَلَدُه مأهولٌ بالقرآن فلا يسلك عفريتٌ في صدره."
والملائكة لا تنطق بمثل شعره" (35) فالملائكة لم يسمع لها شعر، أما الجن فما ورد لهم كثير (36) وإذا كانت الملائكة لا تقول الشعر فإنها تُعين على نظمه. وهذا يظهر في موقف الرسول من حسان:"وله أدام الله عزّه أنْ يحتج بقول النبي لحسان بن ثابت، لمّا أمره بإجابة شعراء قريش: روح القدس معك. فلِمُدَّعٍ أن يقول: إنّ حسان، ومن جرى مجراه من قالة الحق، تعينهم الملائكة على ذلك" (37) ."