فهرس الكتاب

الصفحة 16081 من 23694

وهو، بذلك، يجرّد الشاعر من أيّ فضل، فيقتصر دوره على الوساطة. فإنّما الشعر صنعة الجنّ: ... رأوا حسنًا، عَدُّوهُ من صنعة الجنّ (29) .

وقد كان أربابُ الفصاحة كلّما

وما الشاعرية إلاّ وحي شيطاني، فلكلّ شاعر شيطان يلازمه، ولا يفارقه، والمعري، في ذلك يستند إلى أصول عربية قديمة. فقد أصبح مشهورًا عند العرب أنّ لكل شاعر شيطانًا. وممّا زاد في هذا الاعتقاد، عندهم، ادّعاء الشعراء أسماء لشياطينهم، مما يوهم بصحّة ذلك الاعتقاد."ولا يُنكِر، أدام الله عِزّه، ما ذكرته من أمر الجنّ. فقد علم أنّه مشهورٌ عند العرب أنّ لكل شاعر شيطانًا، يقول الشعر على لسانه. ولا شكّ أنّه قد روى قول الراجز: ... وكان في العين نُبُوٌّ عَنّي"

إني، وإن كنتُ صغير السّنّ

فإنّ شيطاني أميرُ الجنِّ ... يذهبُ بي في الشعر كلّ فنّ

وقد زاد ادعاؤهم لذلك، حتّى سَمّوا الشياطين بأسماء يعرفونها بينهم. قال الأعشى: ... جِهنَّامَ بُعْدًا للِغَوِيّ المُذَمّمِ

دَعَوْتُ خليلي مِسْحَلًا ودَعَوْا لَهُ

فزعموا أن مسحلًا شيطان الأعشى. وقد رَوَوْا أخبارًا في ذلك كثيرة. لا ريبَ في أنّه قد اطلّع عليها" (30) . ... حسًا يُحَسُّ بجنّيٍّ ولا مَلَكِ (41) "

وإذا كانت الجن توحي إلى الشعراء الشعر، فإن المعري ينقد ما تناقله العرب من أشعار للجن، مبينًّا في الوقت نفسه مقدرةَ هؤلاء على النظم منذ الأزل، واتّساع القول أمامهم على آلاف البحور. وكأننا نلمح عند المعري أثرًا للفكر الأفلاطوني حول نظرية المثل، وذلك في تمثيله معرفة البشر من النظيم بمعرفة البقر من علم الهيئة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت