والأدباء عنده ليسوا سواء في مواهبهم، فبعضهم ينبغ في الشعر، وآخرون ينبه شأنهم في النثر. فالبحتري مثلًا ما كان له"تصرّفٌ في منثور الكلام، وقد رُوي أنه كان لا يقدر على كتب رقعة، فيجعل المنظوم عوضًا عن المنثور" (21) وهو يذهب إلى أبعد من ذلك في نقده وموضوعيته، فيسمح بالزلل في بعض الأبيات. وهذا عائد في نظره إلى تعثّر الموهبة،"فإنّ الإخوة ليكونون ثلاثة أو أربعة، ويكون فيهم الأعرجُ أو الأَنجَقُ، فلا يُعابون بذلك" (22) .
إنّ كون الشعر صادرًا عن موهبة أو غريزة إنما يعني أنّ مصدرًا غير منظور يكمن وراء إبداعه وهذا ينقلنا إلى ظاهرة الإلهام. وقد جاء في المعجم الأدبي في تعريف الإلهام قوله: (1- اعتقد القدامى، من إغريق وعرب وسواهم، بأنّ الآلهة أو الجنّ تحرّك الشاعر وتبتعث فيه المعاني والمواقف ليكون معبّرًا عن آرائها أمام البشر. وهذه الصلة بين الأديب أو الفنان والمصدر الخارجي العُلوي أو الخفيّ هي نتيجة الإلهام. 2-يعتقد بعضهم أن الإلهام لا يصدر عن منابع ما ورائيّة، بل ينبجس من القلب، أو من عملية ذهنية إبداعية واعية أو لا واعية. 3-الفكرة التي تتكوّن لدى الفنان، ويعتقد أنها ثمرة من ثمار اللاوعي"(23) ."
فالقول بالإلهام إنّما يعني إرجاع قول الشعر إلى مصادر خفيّة واعية أو لا واعية. وقد تمثّل ذلك قديمًا بنسبة الإبداع إلى الجنّ أو الآلهة أو شياطين الشعر أو السحر. وإذا كان بعض الأدباء في العصر الحديث ما يزالون ينادون بالإلهام (24) ، فإن آخرين يقللون من قدره، معترفين بالجهد في صناعة الشعر، ومنهم (سبندر) (25) ود. زكريا إبراهيم (26) بل إنّ بعضهم يجعل الصّناعة نقيض الإلهام:"فلو لم يكن الشعر إلهامًا لوجب أن يكون صناعة، والصانع يمكنه أن يقوم إلى عمله في أيّ وقت شاء، فينتج منه ما يشاء" (27) .
أما المعري، فإنه يدرس ظاهرة الإلهام الشعري دراسة موسّعة، فالشعر عنده سحر:
لعبْتَ بسحرنا والشعرُ سِحرٌ