وينقلنا هذا الكلام إلى الوجه الآخر للطبع، وهو الموهبة. وهي كما يرى د. جبور عبد النور،"مقدمة في الإنتاج الفنيّ، تتأتّى عن مهارة أو قريحة في صاحبها، فتساعده على التألف والتفوق على أقرانه، وهي ترتكز عادة على البراعة في أساليب التنفيذ، والسهولة في الاهتداء إلى العناصر الضرورية في تحقيق الأثر الفني" (13) .
فالموهبة هي قوة الإبداع وأساس النبوغ، تقوم على تمكّن الشاعر من فنّه، أما مظاهرها فتكمن في سهولة التنفيذ وروعة الإخراج الفني. هذا هو مفهوم الموهبة اليوم، أما عند المعري فهي ركن رئيسي في الإبداع الفني، بل إنها أساس هذا الإبداع، ففي مقدمة لزومياته يقول:"وإنما وصفتُ أشياء من العظة، وأفانين على حسب ما تسمح به الغريزة" (14) فشعره في لزومياته- على حدّ قوله- صادر عن موهبة وغريزة، غير أنّ هذه الموهبة- ويسّميها الغريزة -لا تخلو من الجوانب الصناعية، إذ لا بدّ لها من التهذيب بالدُّربة والاكتساب. يقول في الرسالة الحادية والأربعين عن المُرسلة إليه:"وقد كان عمل قصيدة على الراء، تعاونت عليها فضيلتاه: الغريزة المهذبة، والبراعة المكتسبة" (15) .
وللغريزة عنده دور كبير، لا في عملية الإبداع وحسب، وإنّما في نقد الشعر أيضًا وهذا الجانب يظهر بوضوح في تعريفه للشعر: فالشعر عنده"كلام موزون تقبله الغريزة على شرائط، إن زاد أو نقص أبانه الحسّ" (16) بل إننا نراه يلجأ إلى غريزته في توثيق شعر البحتري (17) وامرئ القيس (18) . وعلاقة الغريزة بالنقد متصلة، كما هو ظاهر في تعريفه الشعر، بالجانب الموسيقي، وميل الإنسان إلى الموسيقا فطريّ، لهذا كان نقد الشعر القائم على الموسيقا يتصل بالغريزة والموهبة (19) ، وإذا كان نقد الشعر وتمييز الجيد من الرديء فيه يقوم على الغريزة، فإن النساء أقدر من الرجال على هذا النقد، لأنهنّ أقوى منهم غريزة. (20) .