فهرس الكتاب

الصفحة 16078 من 23694

إن الطبع عند المعري أصل الشعر، يمدّ الأبيات بشرّاد المعاني (5) . غير أنه لا يتعارض ومفهوم الصنعة، الظاهر في تشبيه الشعر بالرياض، والدرّ والحلل (6) ، والسوار، والخلخال، والأقراط (7) . والشاعر في ذلك صانع، يشبه في صنعته الصائغ، بل إنّ هذا الأخير يشبهه. يقول في الصاهل والشاحج:"وأما قَيْنُ القُلَبَة والخدم وصانعُ الرِّعاثِ.. ممثلُة مثلُ شاعر مجيد كان يصنعُ في مدائح"السيّد عزيز الدولة"صنوف الأشعار المختلفة بين خفيف وثقيل" (8) .

أما تشبيه الشعر بالحياكة والشاعر بالحائك، في إطار الحديث عن صنعة الشعر، فيعلّلها المعري في الصاهل والشاحج بقوله:"وأمّا يهُودُ، فهي في هذه البلدة ثلاثُ فرق: صبّاغون، ودبّاغون، وحاكةٌ في الكلم لاغون.."

وأمّا الحائك، فيطوي الشُقّةَ، وبعضُها قد نُسِجَ وبعضها ليس بنسيج، كأنها كلمةُ الفحل من الشعراء، قد نظمَ بعضها، وتصوّر الغابر منها. وإنّما شبّهته بالشاعر، لأنّ"كعب بنَ زهير"قال:

فمن للقوافي بعد كعب يحوكُها

وإذا كان الطبع يتفق ومفهوم الصنعة في الشعر، فإنّ المصطلح المقابل الذي يطرحه المعري هو التصنّع. هذا ما يشير إليه في وصف امرأة: ... بمرْآتِها، والطبعُ غيرُ التصنُّعِ (10)

ومرْآتُها، لا يَقْتضيها جَمالُها

وممّا يُخرِج الشعر عن الطبع إلى التصنّع التشدُّدُ وتكلف الجهد والمشقة: ... فتُبْنا منه توبتَنا النّصوحا (28)

"وإنّك لترى الرجل من يهودَ، وهم أهلُ لينٍ وضَعْفٍ يُظهرُ التشدُّدَ والتجلُّدَ على ما نزل، فيخرجُ به ما فعل عن الطبع" (11) ومعنى ذلك أن التصنّع إنما يظهر عندما يتكلف الشاعر قول الشعر، باذلًا في ذلك الجهد والتعب، وهو ضعيف الموهبة والغريزة. وعليه، نرى أن من أهم عوامل تمكّن الشاعرية، التحلّي بطبع متدفق وغريزة وثابة. وهذه أيضًا وحدها لا تكفي، وإنما لا بدّ أن يرفدها علم غزير مُكتَسَب (12) وهكذا يجتمع الجانبان الفطري، والمكتسب في صنعة الشعر عند المعري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت