وعاب على نقاده تسقطهم عيوبه في أبيات متفرقة من قصائده، فقال يخاطب أحدهم:"قد رأتيك، لما تصفحت ديوان المتنبي، واستعرضته بيتًا بيتًا، لم تزد على أحرف تلفظتها وألفاظ تمحلتها، وادعيت في بعضها اللحن والغلط، وفي أخرى الاختلال والإحالة، ووصفت بعضها بالتعسف والغثاثة وبعضًا بالركاكة والضعف، ثم أسقطت القصيدة من أجل بيت، ونفيت الديوان من أجل قصيدة، وعجلت بالحكم قبل استيفاء الحجة" (29) .
ثم قرأ الجرجاني على مخاطبه قصائد لأبي الطيب ليقيم عليه الحجة، بتسقطه العيوب في مفردات من القصيدة، وليقرر أن الحكم إنما ينبغي أن يصدر بعد استبار لمعمار القصيدة الكلي، في شكلها ومضمونها معًا، إن لم يكن لمجموعة من قصائد الشاعر.
وكان هذا الاحتاجاج مؤشرًا إلى قفزة نوعية، ومبشرًا برفد النظرية بالتطبيق الموضوعي.
ولكن الجرجاني، للأسف، لم يحلل تلك القصائد، أو إحداها على الأقل. إنما اكتفى بالإشارة إلى ما توفرت عليه من الجودة والإتقان، دونما تعليل. وهذا مظهر من مظاهر التهافت.
والمؤسف أيضًا أنه استجود قصيدتين لشاعرين في موضوع واحد إحداهما قصيدة أبي الطيب المشهورة في وصف الحمى:
وزائرتي كأن بها حياء
وثانيتهما قصيدة عبد الصمد بن المعذل في الموضوع ذاته: ... هدوًّا وتطرقني سحَرهْ
وبنت المنية تنتابني
فحكم، مباشرة، على قصيدة أبي الطيب قائلًا:"لا يعلم لأحد في معناها مثلها. اخترع أكثر معانيها فجاءت (مطبوعة مصنوعة) وهذا القسم من الشعر هو المطمِع المؤيس... وقد أحسن عبد الصمد وأجاد" (30) . ... معي، وإذا مالمته لمته وحدي
وهذا في الحقيقة، حكم مجاني لأنه غير معلل، بحيث يتأبى على التصديق، وإن يكن صادرًا عن رجل يعد من أهل البصر في علم الشعر.
والأعجب من ذلك تعقيبه على هذا الحكم بقوله: