وبصفة الجرجاني من رعيل المدرسة الجمالية الحسية، غير المعرفية، الذين يتأثرون بالصور ويعجزون عن توصيف أسباب التأثر وتعليله، لأنه لا يخضع عندهم للبراهين العلمية، فإنه يسوغ التأثر بهذه الصور تسويغًا ذاتيًا:"وأنت قد ترى الصورة تستكمل شرائط الحسن وتستوفي أوصاف الكمال، وتذهب في النفس كل مذهب، ثم لا تعلم، وإن قاسيت ونظرت سببًا لهذه المزية" (27)
ويستشهد على تسويغ هذه النظرية بما روي عن الشافعي، وقد سئل عن مسألة، فقال:"إني لا أجد بيانها في قلبي، ولكن ليس ينطق بها لساني" (28) وهذا ما عبر عنه، من قبل، ابن سلام الجمحي بقوله:
"إن الجمال ما تدركه المعرفة ولا تحيط به الصفة". وهذا ما استشهد عليه الآمدي بقوله ابن اسحق:"إن من الأشياء أشياء تحيط بها المعرفة ولا تؤديها الصفة".
كانت تلك محاور الجرجاني النظرية في الشعر. فماذا فعل في التطبيق..؟
أخذ خصوم أبي الطيب عليه استعاراته البعيدة، كما أخذ خصوم أبي تمام عليه هذا النوع من الاستعارات.
والاستعارة البعيدة في نظرهم هي الإفراط في تشخيص الأشياء الجامدة تشخيصًا حيًا بحيث يجعل لها الشاعر قلوبًا نابضة وعقولًا، في حين لا صلة ولا سببًا أو مناسبة بينها وبين الأحياء. وهذا مالم يستقم ومفهوم الاستعارة عند نقاد أبي الطيب الذي شخص هذا التشخيص. فكان رد الجرجاني على هذا النحو من المآخذ، وهو في رسالته إنما يدافع عن أبي الطيب، أن استشهد على جواز ذلك بأبيات من الشعر القديم اتخذ أصحابها من الأشياء شخوصًا متكاملة الأعضاء والهيئات.