وما إن هدأت المعركة من أجل الطائيين، حتى ظهر الشاعر العظيم أبو الطيب المتنبي الذي شغل الناس جميعًا، شغل الأدباء واللغويين والنحاة وأصحاب المعاني والمتفلسفين.
فأسفر هذا عن معركة جديدة بين فئة تعصبت عليه وفئة تعصبت له. فأخذت كلتا الفئتين يحاور بعضها بعضًا وتكتب في نقد شعر أبي الطيب، فتأزمت الخصومة بين الجبهتين، وحينئذ ظهر فقيه من الفقهاء أديب، هو أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني، أستاذ عبد القاهر الجرجاني، الذي ندب نفسه للوساطة بين الجبهتين برسالته النقدية المشهورة: (الوساطة بين المتنبي وخصومه) .
قدم الجرجاني لرسالته بمقدمة نقدية عامة، كما فعل من قبل ابن قتيبة في مقدمته النقدية لكتابه"الشعر والشعراء"لخص فيها وجوه التفاوت في أشعار القدماء، الجاهليين والإسلاميين، ليبين أن الخطأ والغلط واللحن وفتور الخاطر ليست ظواهر مقصورة على أشعار المحدثين، إنما هي ظواهر عامة في أشعار العرب، فالتقى بذلك ابن قتيبة في دفاعه عن شعر المحدثين. ولكنه، كسلفه، مالبث أن اتخذ الشعر القديم المثل الأعلى للشعر العربي، ونعى على المحدثين التفاوت في الطبع، خلافًا لما تمتع به الجاهليون والاسلاميون من سوية في الطبع:"فبينما الجاهلي والإسلامي يتمتع بهذا الطبع السوي، فإن المحدث جزل حينًا ولين حينًا، ما إن يسترسل في طريقته ويجري على طبعه، حتى تلتوي عليه السبل، فيتوعر ويطمس المعاني (24) ."
وتبعًا لهذا المعيار، فضل الجرجاني الطبع السليم على الصنعة، على صنعة أبي تمام والمتنبي، وإن تكن جيدة.
ولو أردنا أن نترجم قولة الجرجاني هذه إلى لغتنا العصرية، وبأساليبنا الحديثة، لقلنا: إن الفرق بين القديم والمحدث، أو الطبع والصنعة، هو الفرق بين الأصالة والمعاصرة.
ويوثق الجرجاني الصلة بين الشاعر وشعره تبعًا لطبعه. فالشعر في حالتي الجودة والرداءة إنما يصور، في نظره، شخصية الشاعر، حتى إنه ليعكس، كالمرآة، خلقته العضوية والنفسية: