فهرس الكتاب

الصفحة 16066 من 23694

كانت تلك أمثلة نموذجية من تطبيقات الآمدي النقدية على شعر أبي تمام، التي عبر فيها بوضوح عن استهجانه طريقته في توظيف اللغة وفي توليد المعاني والصور الخارجة عن المألوف فيما جرى عليه الأوائل، في مقابل ميله وتمسكه بتقليدية البحتري في لغته ومعانيه وصوره.

فتصنيع أبي تمام، الذي عدّه الآمدي وصحبه إفسادًا للشعر، إنما هو، في رأينا، تصنيع فني وفكري، هو عمل إبداعي في الصورة والمضمون تقاصرت عن بلوغ سويته الفكرية والفنية أعناق علماء الشعر، تمامًا كما تقاصرت أعناق شيوخ الأدب في عصرنا الحديث عن بلوغ سوية شعراء الحداثة المؤصلين الذين جاء تصنيعهم الفني والفكري قبسًا من تصنيع أبي تمام.

ثم إن الآمدي إنما اختار من شعر أبي تمام ما يرى أنه يحقق نظريته، فيما ذهب إليه من وقوعه في الخطأ والإحالة وفساد المعاني والصور، وأغفل أبياته المتألقة المبتدعة التي نوه بها أبو العلاء فيما بعد بقوله في القسم الثاني من رسالة الغفران:"كان صاحب طريقة مبتدعة ومعان كاللؤلؤ متتبعة، يستخرجها من غامض بحار ويغض عنها المستغلق من المحار".

كذلك كانت القيم الفكرية والفنية في شعر أبي تمام بنظر المعري خلافًا لمذهب الآمدي وصحبه.

وكان مجرد انتقاء الآمدي أبياتًا معينة من شعر أبي تمام، مظهرًا سافرًا للنظرة الجزئية الضيقة التي لاتقدم لنا الشاعر كما هو.

فما يقدم لنا الشاعر وشعره بوضوح إنما هو النظرة الشمولية لمجموعة من قصائده، أو على الأقل لقصيدة من قصائده، بالتحليل أو المقارنة.

ولقد قال الآمدي في مستهل كتابه:"سأوازن بين قصيدتين من أشعار الطائيين، إذا اتفقتا في الوزن والقافية وإعراب القافية، وبين معنى ومعنى، وأقول أيهما أشعر في تلك القصيدتين" (23) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت