أكان على أبي الطيب، حينما ركب إلى عضد الدولة أن يعدل عن (شعب بوان) ، وأن يركب إلى ممدوحه ناقة أو بعيرًا عوضًا من حصانه، ليصف هجير البادية ومنابت الشيح، أو ليستوقف الركب على الرسوم فيبكيها...؟ أم كان عليه، وهو في طريقه إلى سيف الدولة، أن يعوج إلى البادية ليستنطق الأطلال بالتحية بدلًا من الرياض الفواحة بأريج منابت الورد:
كلما رحبت بنا الروض قلنا
و لاشك في أن ابن قتيبة كان عالمًا بالشعر، ويتمتع باستبصارات نظرية نوعية في علم الشعر، ولكنه في الواقع، لم يكن ناقدًا للشعر. ... فعزمًا فقِدْمًا أدرك النجح طالبه
وفي القرن الثالث استجدت معركة شعرية حول مذهبين مختلفين ظهر أبو تمام، المتوفى سنة 238 مجددًا في اللغة والمعاني والفن.
وجاء تلميذه البحتري، المتوفى سنة 284 مقلدًا في اللغة والمعاني والفن.
فانقسم الناس حول المذهبين، قسم أيد المذهب الجديد، وقسم تعصب للمذهب القديم.
وتتلخص أوجه المفارقة بين المذهبين في أن أبا تمام خرج على طريقة الأوائل في توليد المعاني وفي تصنيع الصور الفنية، أما البحتري فبقي أعرابي الطبع وعلى طريقة الأوائل في سوق المعاني وفي الصور الفنية.
وقامت المعارك والمناظرات بين أصحاب أبي تمام وأصحاب البحتري، واستمرت الخصومة بين الطرفين، حتى جاء، في أوائل القرن الرابع، أديب ناقد هو الحسن بن بشر الآمدي، المتوفى سنة 371، فوضع كتابه المشهور:
"الموازنة بين الطائيين"لحسم الخصومة بين طرفي النزاع.
بدأ الآمدي كتابه بتقديم صور عن المناظرات الحوارية التي كانت تعقد مجالسها بين الطرفين، سنقف على أبرز محاورها، كما نقلها الآمدي، أو كما انتخب من وقائعها ما يعبر به عن استنكاره لشعر أبي تمام، وميله إلى شعر البحتري، مسوغًا نظريته في الاستنكار والميل، بما أورده عن بعض علماء الشعر، وبما استبره شخصيًا في أشعار الطائيين وإليك أهم محاور هذه المناظرات.