فهرس الكتاب

الصفحة 16061 من 23694

فالإبداع لم يكن عنده وقفًا على المتقدمين ولا على المتأخرين، إنما هو قدرة الشاعر، أيًا كان عصره، على تملك المؤهلات الإبداعية. ولكنك قد تراه، فيما سيختار من أشعار القدماء والمحدثين، وهي اختيارات انتقائية ذاتية، إنما يطبق نظريته الجدولية السابقة في أحكامه على الجودة والرداءة.

ثم إنه، بعد أن بدأ لنا تقدميًا، ما لبث أن ارتد إلى إلفه، فتمسك بعمودية القصيدة وبمنهجية القدماء، متنصلًا مما أكد عليه من أثر البيئة والعصر في تطور الشعر وتجديده.

فقال:"وليس لمتأخر الشعراء أن يخرج عن مذهب القدماء، فيقف على منزل عامر أو يبكي على مشيد البنيان، لأن المتقدمين وقفوا على المنزل الدائر والرسم العافي. ولا أن يرحل على بغل أو حمار ويصفهما، لأن المتقدمين رحلوا على الناقة والبعير، ولا أن يرد المياه العذاب الجواري، لأن المتقدمين وردوا الأواجن. ولا أن يقطع إلى الممدوح منابت النرجس والورد، لأن المتقدمين جروا على قطع منابت الشيح والعرارة..." (17) .

بهذه النظرية الرجعية، أو بهذا المرسوم التشريعي، تراجع ابن قتيبة عن نظريته التقدمية وسقطت عنده عوامل العصر والبيئة، لأنه فيما يبدو، لم يستطع أن يتكيف ومعطيات العصر والبيئة.

فمن هو ذلك الشاعر الشقي، على حد تعبير أبي نواس:

عاج الشقي على رسم يسائله

من هذا الشاعر الذي سيعود، في القرن الثالث، بموجب مرسوم ابن قتيبة، ليقطع إلى ممدوحه المفازات ويصف الشيح والقيصوم والعرار، ويتغزل بالغدران الآسنة، أو يقف على الأطلال ويبكيها في عصر القصور المشيدة والأنهار الجارية والرياض الغناء...؟ ... حلب قصدنا وأنتِ السبيل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت