وكان من الطبيعي، وقد ذاع صيت كتاب ابن سلام، وازدهرت الحياة الثقافية في القرن الثالث، ونشأ ما سمي بشعر المحدثين الذين خرجوا على عمودية الشعر القديم، كشعر بشار بن برد وأبي نواس، أن تظهر في الحياة الأدبية خصومة بين القدماء والمحدثين، بين أنصار القديم وأنصار الجديد. أو بين (الكلاسيك) و (الكلاسيك الجديد) .
وفي معترك هذه الخصومة، ظهر كتاب ابن قتيبة الذائع الصيت (الشعر والشعراء) في محاولة لحسم الخصومة.
وكان ابن قتيبة رجل فقه وأدب ولغة وتاريخ، متمكنًا من علوم عصره، الدينية واللغوية والنحوية والتاريخية. لذلك غلب عليه في التقييم النقدي، وفي التمييز بين الجيد والرديء من الشعر، المعيار العلمي الأخلاقي.
وعلى أساس هذا المعيار الأحادي، صنف الشعر في أربعة أضرب جدولية، على النحو التالي:
1-ما حسن لفظه وجاد معناه.
وتمثل له بقول أبي ذؤيب:
والنفس راغية إذا رغبتها
2-ما حسن لفظه وحلا، فإن فتشته لم تجد فائدة في معناه. ... وشْلًا بعينك ما يزال معينًا
وتمثل له بقول جرير:
إن الذين غدوا بلبك غادروا
3-ماجاد معناه وقصرت ألفاظه، فهو متفاوت. ... والمرء يصلحه الجليس الصالح
وتمثل له بقول لبيد بن ربيعة:
ما عاتب المرء الكريم كنفسه
4-ما تأخر لفظه ومعناه، وهو الرديء. ... شاوٍ مُشلٌ شلول شلشل شَوِل
وتمثل له بقول الأعشى:
وقد غدوت إلى الحانوت يتبعني
على هذه المعايير الأربعة التي تمحورت حول الألفاظ والمعاني، وقامت على الانتقائية الذوقية، بنى ابن قتيبة نظريته النقدية في الشعر، هذه النظرية التي انحسرت فيها القيم الفنية الجمالية على حساب القيم العلمية الأخلاقية فاختل المعادل بين الفائدة والمتعة. ... ومسَّح بالأركان من هو ماسحُ
فالصورة الجمالية الحية في قول الشاعر:
ولما قضينا من منى كل حاجة
وشُدَّت على حُدْب المطايا رحالنا ... ولم يعرف الغادي الذي هو رائح
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطيّ الأباطح