وعاصر الإسلام شاعر جاهلي كبير هو الحطيئة، فلم يلن شعره، ليس لأن الإسلام لم يدخل قلبه كما قيل، إنما لأنه، في الحقيقة، لم يجاوز سن التطور كما جاوزه حسان ولبيد في الإسلام. فهذان الشاعران، وقد بلغا عتيًا من العمر، قد استنفدا، في الإسلام، طاقاتهما الإبداعية، وضعفت قدرتهما الحيوية عن التطور والتجديد.
ولقد أصاب الدكتور طه حسين هذه الحقيقة حينما أرجع ظاهرة الضعف في شعر حسان ولبيد إلى عاملي الطبع والسن.
قال: (( فالشعراء الذين أراداوا أن يجددوا أنفسهم، بعد أن أسلموا، لم يوفقوا إلى ذلك، لأن الطبع لا يستكره في الفن والأدب.
وهؤلاء الشعراء قد جاوزوا سن التطور، فلم يكن من اليسير أن يرجعوا أدراجهم وأن يبتكروا لأنفسهم طبعًا جديدًا، فكان تجديدهم تكلفًا... )) (12)
وبقي النقد العربي في خلال القرنين، الأول والثاني، انتقائيًا ذاتيًا، حتى جاء ابن سلام الجحمي المتوفّى سنة 232هـ بكتابه المنهجي الرائد (طبقات الشعراء) ، أول مدونة نقدية، كخطوة نحو نقد منهجي موضوعي.
فقد اتبع فيه تقسيم الشعراء الجاهليين والإسلاميين حسب تسلسلهم التاريخي، وبحسب بيئاتهم المدن والقرى وأثر هذه البيئات المختلفة في شاعرية كل طبقة، وأثر ثقافة كل شاعر في كل طبقة.
وبهذا العمل المنهجي المنظم، فتح ابن سلام باب التدوين والتأليف النقدي في الشعر العربي.
يضاف إلى ذلك أنه حقق في كتابه نسبة الأشعار إلى قائليها، وميز الصحيح من المنحول تمييزًا علميًا موضوعيًا. فكان هذا الكتاب من أهم المصادر العلمية التي عول عليها طه حسين في شكه بقيمة الشعر الجاهلي، ولاسيما قضايا النحل والانتحال التي اكتشفها ابن سلام ثم جاء طه حسين في العصر الحديث ليفصل هذه القضايا ويعمقها في كتابه الرائد (في الأدب الجاهلي) .