ثم كان لعلماء اللغة العربية دور ريادي في تقويم لغة الشعر، وضبطها نحويًا، بسبب فشو اللحن بين الشعراء المحدثين، نتيجة لاختلاط الموالي بالعرب. فأخذ هؤلاء العلماء ينقدون الشعر وفقًا لمعاييرهم العلمية، بل أخذوا يحاسبون الشعراء على هفواتهم حسابًا عسيرًا. مما اتجه بالنقد اتجاهًا لغويًا. وقد اعترض الفرزدق على نقد سقطاته اللغوية النحوية، وتحدى النحاة، ولكنه أخفق في هذا التحدي، وعني بضبط لغته واحتاط للهفوات. ولما جاء الخليل بن أحمد الفراهيدي، شدد القيود اللغوية على الشعراء وأخذ يحتسب عليهم أغلاطهم ويحذرهم. قال: (( إنما أنتم معشر الشعراء تبع لي، وأنا سكان السفينة. إن قرضتكم ورضيت قولكم نفقتم، وإلا كسدتم ) ) (11)
وعلى هذا النحو تأصل النقد اللغوي الذي سيتطور، فيما بعد، إلى النقد الفقهي في العصر العباسي.
وكان للغويين دور آخر في نقد الشعر وتقييمه، إضافة إلى تقويم اللغة فقد رأينا الأصمعي يحاول أن ينحو في نقد الشعر نحوًا موضوعيًا، بصرف النظر عن قيمة الحكم الذي انتهى إليه.
لقد أقام الأصمعي استدلاله على ضعف شعر حسان بن ثابت في الإسلام، بعد أن كان جزلًا في الجاهلية، على أن الشعر، في نظره، إنما يقوم على الأهواء والشرور. فإذا دخل في الخير ضعف. كان الشعر الجاهلي صدى لحياة مليئة بالمنازعات القبلية التي هي دوافع لقوة الشعر. أما الإسلام، فهو خير وموادعة وإخاء، لذلك لان الشعر في الإسلام ولان معه شعر حسان.
ومع أن هذه النظرية خطوة رائدة نحو الموضوعية، لكونها شمولية استغرقت شعر حسان بصفته الكلية، غير الانتقائية الجزئية، فإنه من غير المحقق أن الشعر الجاهلي كان قائمًا على المنازعات والشرور، باستثناء الشعر القبلي، وهو قليل بالقياس إلى ديوان العرب. فلقد دخل زهير بن أبي سلمى في السلم والموادعة والإخاء، وفي الحكمة والنزعة الدينية دون أن يضعف أو يلين.