وحِلا السيولُ عن الطلول كأنها
سجد الفرزدق! فقيل له: ما هذا يا أبا فراس...؟ السجدة للقرآن...! فقال: (( أنتم تعرفون سجدة القرآن وأنا أعرف سجدة الشعر ) ). ... وإذا تُرد إلى قليل تقنع
وإذًا، فقد كانوا يعرفون مواطن الجمال الفني في جزئيات القصائد ويتأثرون بها. ولكن لم يكن لديهم تعليل أو تفسير لتأثرهم. إن الذي يتأثر وينفعل مباشرة، هو الحس الجمالي فيما يقع على الأشياء، وهذا مالم يتوفروا على توصيفه، فبقي النقد ذاتيًا تأثريًا.
وفي القرن الثاني انقسم المتخصصون بآداب اللغة العربية حول أشعر الشعراء، الجاهليين والاسلاميين. وانشعب العراقيون إلى بصريين وكوفيين. البصريون فضلوا من الجاهليين امرأ القيس. والكوفيون فضلوا الأعشى. وأهل البادية فضلوا زهير بن أبي سلمى، والحجازيون هاموا في نسيب الجاهليين ولم يتفقوا على معيار موضوعي لتسويغ هذه المفاضلة.
وكان أبو عمرو بن العلاء أخطليًا، بينما كان يونس بن حبيب والمفضل الضبي فرزدقيين. وكان آخرون يفضلون جريرًا على الفرزدق والأخطل، وغيرهم يرى العكس... ولكنهم جميعًا لم يأتوا بتفسير معلل لمذاهبهم. لذلك بقي الخلاف قائمًا. وهذا ما أكده يونس بن حبيب بقوله:
(( ما شهدت مجلسًا قط ذكر فيه جرير والفرزدق فاجتمع الناس على أحدهما ) ) (10)
وكان أبو عمرو شديد التعصب للأخطل، حتى إنه ليقول: (( لو عاش الأخطل يومًا واحدًا في الجاهلية، مافضلت أحدًا عليه ) ).
وإذًا؛ فكل تلك المفاوضات والأحكام إنما كانت تترواح بين مدارات الذاتية التأثرية أو الانطباعية والعاطفية، وتصدر عن تلك النظرة الجزئية، دونما تعليل موضوعي.