وكان التغلبي يتعصب للفرزدق على جرير، فهجا جريرًا وقبيلته بقصيدة فيها بيته المشهور:
قوم إذا استنبح الأضيافُ كلبَهم
وكان البخل أشنع عار يلحق بالقبيلة. ... حك استه وتمثل الأمثالا
فرد عليه جرير بقصيدة يهجو بها قبيلة التغلبي، وفيها بيته المشهور:
والتغلبي إذا تنحنح للقِرى
فقال النقد في هذين البيتين:"بيت الأخطل أقوى وأشنع، وبيت جرير أسْيَر"... وأندى العالمين بطون راح
وقد اعترف الأخطل للفرزدق بقوله: (( إنك وإياي لأشعر منه، ولكنه أوتي من سير الشعر مالم نؤته ) ) (9) .
لقد حكم النقد لجرير بسيرورة شعره، أو"بالعالمية"إن جاز التعبير، لأن شعره كان يبلغ الأسماع في كل البقاع، فيتناشده الخاصة والعامة... وليس بخاف أن سيرورة بيت جرير مصدرها تلك الصورة التهكمية الحية التي رسمها لشخصية التغلبي، حيث الحركة التي نكاد نراها، والصوت الذي نكاد نسمعه منه وهو يتشدق بافتعال الأمثال، تنصلًا من قرى الأضياف.
وفي هذا المنحى الجزئي أيضًا، سئل ابن سلام الجمحي: أي البيتين أجود..؟ قول جرير في مدح بني أمية:
ألستم خير من ركب المطايا
أم قول الأخطل فيهم: ... وأعظم الناس أحلامًا إذا قدروا
شُمْس العداوة حتى يستقاد لهم
فقال: (( بيت جرير أحلى وأسْير، وبيت الأخطل أجزل وأرزن ) ). ... بقول يُحل العصم سهل الأباطح
ولا ندري على أي معيار حكم بالجزالة والرزانة لبيت الأخطل إلا أن يكون أراد هذا الإيقاع اللغوي القوي في قوله:"شمس العداوة".
والتقى جرير يومًا راوية كثيّر عزة، وكان لكل شاعر راويته، فسأله عن آخر ما قال صاحبه...؟ فأنشده قول كثّير:
وناديتني حتى إذا ما استبيتني
توليت عني، حيث لا لي حيلة ... وغادرت ما غادرت بين الجوانح
فهتف جرير بانفعال: (( والله لولا أنه لا يحسن النخير بشيح مثلي، لنخرت حتى يهتز هشام في سريره ) ). ... زُبُرٌ تُجد متونَها أقلامُها
وحضر الفرزدق جماعة في المربد كان أحدهم ينشد معلقة لبيد بن ربيعة.. فلما وصل المنشد إلى قوله: