وكدتُ، ولم أخلق من الطير، إن بدا
فقال له:"يا بن أم: قل غاقِِ، فإنك تطير"ويعني أنه غراب أسود. ... قالوا لأمهم بولي على النار
وسلم عليه مرة قيس الرقيات، فرد عليه السلام قائلًا:
"وعليك السلام يا فارس العمياء"فاستنكر الشاعر هذا اللقب...!
فقال له: أنت سميت نفسك هذا الاسم حيث قلت في وصف ناقتك:
سواء عليها ليلها ونهارها
قال الشاعر: إنما عنيت التعب.
فقال له:"فبيتك يحتاج إلى ترجمان" (7) أي أنه في حاجة إلى تفسير وهذا عيب على الشاعر.
وعلى هذا النحو من التنويعات النقدية كانت بواكير النقد في الحجاز.
أما في العراق والشام، فقد نحا الشعر، في أساليبه وموضوعاته، منحى الشعر الجاهلي. بداوة في اللغة والأساليب، وقبلية في الموضوعات لأسباب أملتها الحياة السياسية.
وكان أكبر الشعراء في هذين القطرين: الفرزدق وجرير والأخطل الذين استشرت آفة الهجاء فيما بينهم، وأصبح لكل واحد منهم حزب ينتصر له وآخر يتعصب عليه. وبذلك نشأت، أو عادت قبلية الشعر إلى أدراجها، واستنفد جرير والفرزدق طاقاتهما الإبداعية في تلك المعارك الهامشية التي جمعت، فيما بعد، في"النقائض".
حاول خبراء الشعر أن يفاضلوا بين الشعراء الثلاثة، وعلى الأخص بين جرير والفرزدق، فسميت تلك المفاضلة"قضاء"وسمي الخبير"قاضيًا"وسمي النقد"حكومة" (8) .
ولكن القضاة لم يستطيعوا أن يتفقوا على من هو أشعر من الآخر، لأن الأحكام لم تصدر عن رؤية موضوعية، إنما كانت تتحكم بها الأذواق الشخصية التأثرية التي كانت تهرول، بصورة مسبقة، وراء مثالية الشعر الجاهلي، وتدور في فلكية مفردات من القصيدة، وتهمل النظر في معمارها الكلي.
وفي هذا الإطار أو المدار الجزئي الضيق، كان الشعراء أنفسهم يتناولون نقد بعضهم بإطلاق أحكام عامة غير معللة.
ففي المفاضلة بين شاعري النقائض، قال ثالث الأثافي:
(جرير يغرف من بحر، والفرزدق ينحت من صخر) . أي أن الأول شاعر مطبوع والثاني شاعر صنعة.