وإذا كان من الصعوبة بمكان الجزم بإسناد ريادة إنشاء المقدمة الطللية لشاعر بعينه، فإن هناك قضية أكثر أهمية، وهي المتمثلة في الافتراض التالي: مادام هناك شاعر ما وضع هذه المقدمة أول مرة، فهل اطلع عليها غيره من الشعراء وقاسوا عليها وجعلوها سنّة حميدة، ونسجوا على منوالها لغاية في نفوسهم، أو لأنّها تستجيب لحاجات نفسية، أو أن هناك أسبابًا أخرى؟ فعند قراءتنا لهذا الرأي مثلًا:
(( من الشعراء الذين ذكروا الديار ووصفوها وصفًا حقيقيًا لاتخيلًا أو تصورًا، ودون معاناة أو تكلف هم الشعراء الجاهليون لأنهم نقلوا لنا صورتها بأمانة، دفعهم إلى ذلك ماكان في هذه الديار من ذكريات كثيرة خلقتها حياة الصحراء حتى إن هذه الذكريات جعلتهم -لشدة شغفهم بها يخاطبون الطلل وكأنّه من الناطقين ) ) (5) .
ثم يستشهد هذا الدارس على رأيه بقول امرئ القيس:
ألا انعم صباحًا أيها الطلل البالي * * * * * وهل ينعمن من كان في العصر الخالي؟" (6) "
فلابد -هنا- من إبداء بعض الملاحظات التي تزيل بعض اللبس فيما حمله هذا القول من آراء يبدو لنا فيها بعض الشطط والمبالغة، فنحن نتساءل، كيف صور هؤلاء الشعراء الديار تصويرًا حقيقيًا دون تصور أو تخيل، وكأنهم بذلك راحوا يصورون الديار تصويرًا"فوتوغرافيًا""حرفيًا"، وهذا يتنافى وطبيعة الشعر الذي هو رؤية إنسانية معقدة لاتخلو من خواطر إنسانية ذاتية، وخيالات على درجة ما، حتى وإن افترضنا -جدلًا- أن الشاعر عبر فعلًا عن تجربة واقعية، وأنه يصور معايشته لتلك التجربة من خلال أدوات فنية قد لا تتوافر لغيره من بقية الناس، وإلا عددنا جميع البشر شعراء.