فهرس الكتاب

الصفحة 16044 من 23694

وفضلًا عن ذلك، فإن الشعر معاناة، وهذا يعني أن الشاعر إن لم يتمكن من تعميق إحساسه، وابتكار الأساليب التعبيرية المناسبة أتى شعره سطحيًا ضحلًا لا ماء فيه، والمقدمة الطللية حافلة بتلك التجارب التي جعلت أصحابها يقدمون تجارب متنوعة فيها خصوبة وابتكار، رغمًا عن أحادية الموضوع وتشابه المواقف.

ثم إن البيئة الصحراوية، لم تتغير من حيث جغرافيتها وتضاريسها، ومن حيث مناخها، فكيف بنا نقصر هذه المقدمة على الجاهليين دون غيرهم فإذا عرفنا أن الخيام ظلت منصوبة في أعماق الصحراء إلى زمن بعيد بعد العصر الجاهلي، بل إن بعضها مازال منصوبًا حتى يومنا هذا، فهل لنا الحق -بعد ذلك- أن نحرم ذلك البدوي من التعبير عن حلّه وترحاله، لكونه ليس جاهليًا؟ فالقضية -في رأينا- ترتد إلى أصالة التعبير وإلى صدق التجربة الفنية لدى الشاعر، وليست مرتبطة بالسبق الزمني، لأن الجاهلي نفسه قد ينظم شعرًا يقلد به شعرًا سبقه.

وعلى مافي الرأي السابق من بعض التعميم، فهو يجرد المقدمة الطللية من كثير من خصائصها الفنية، وخاصة أن هذه المقدمة تمثل مظهرًا إبداعيًا ووسيلة إلهامية تغني تجربة الشاعر وتحفزه على الابتكار: (( كانت هذه الأطلال تقوم بوظيفة الملهم، والمرشد والمبدع للشعراء الذين وقفوا عليها، والذين لم يقفوا عليها، حتى يستدروا مواهبهم الشعرية ويستثمروا إحساسهم الفني ) ) (7) .

ثم إن هذه الأطلال -كانت- في الوقت نفسه: (( قناعًا فنيًا يسقط الشاعر عليها جملة أحاسيسه، ويتخذها ستارًا لمواضيعه، كما تبدو لنا مقدمات النابغة الذبياني حين ينشئ قصائده، فيصف إطلاله بالوحشة حين موضوعها الاعتذار، فتخلو من أي أثر لحركة الحياة ونواميسها ) ) (8) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت