الواقع أن هذا الموضوع مازال إلى يومنا هذا، يثير تساؤلات عديدة، فقد تقنعنا وجهة نظرها، من زاوية معينة، في حين يظلّ التساؤل مطروحًا في جانب آخر.
فمع تسليمنا بشفوية النص الشعري الجاهلي، فذلك يعني بالضرورة أن تحديد الأزمنة والأمكنة تحديدًا دقيقًا يظل أمرًا قابلًا للأخذ والرد، كما أن أمر أسبقية شاعر على آخر من الناحية الزمنية يظل نسبيًا بسبب افتقادنا للنص المدوّن، مادام التدوين يتم على مستوى الذاكرة فحسب، وهذا يمثل نقطة البداية في طرح مجموعة من التساؤلات ومن أولاها أن المقدمة الطللية هي من ابتكار شاعر جاهلي أراد أن يعبّر عن حاجة من حاجاته النفسية، ويعرب عن خبايا هذه النفس التي نظرت فيما حولها، فوجدت الديار قد زالت وامّحت، وماكان يزينها ويضفي عليها شيئًا من المؤانسة والإحساس بالجمال بالاطمئنان، قد غادرنا هو الآخر، ولا نستبعد أن هذا الإنسان قد ربطته بالشاعر مشاعر عاطفية ما، فجاشت عواطفه، وراح يصفها ويأسى على الزمن الذي تحوّل إلى مجرد ذكرى، علّه زمن الشاعر، فجاءت المقدمة معبرة عن تلك المشاعر والأحاسيس ولم يعد مهمًّا -بعد ذلك- إن كان امرؤ القيس هو صاحب الريادة في هذه الظاهرة الشعرية، أو أنه ابن حذام، كما يصرح بذلك امرؤ القيس نفسه حين يقول:
عوجا على الطلل المحيل لعلنا * * * * * نبكي الديار كما بكى ابن حذام (4)
إن مسألة الوقوف عند رائد المقدمة الطللية، تعدّ أمرًا عسير المنال من حيث تأكيد هذه الريادة، وحصرها في شاعر بعينه لأن عملية التدوين جاءت متأخرة جدًا، حتى إن الاختلاف يبدو بيّنًا على مستوى تحديد هذا الاسم الذي أشار إليه امرؤ القيس في البيت السابق، فمن قائل"ابن حذام"ومن قائل"ابن حزام"ومن قائل"ابن خدام".