فهرس الكتاب

الصفحة 16041 من 23694

وعلى ماتجلى في هذا الشعر من صور اجتماعية عبّرت عن حياة ذلك البدوي الاجتماعية على المستوى الفردي، وعلى مستوى القبيلة فقد طغت -مقابل ذلك- الصفة الفردية الذاتية للشاعر الجاهلي، فبقدر ماعبّر عن قبيلته، فإنّه كان أيضًا (( معبرًا عن وجوده النفسي، وعواطفه الخاصة... إنه لم يكن بوق القبيلة فقط، ولكنه كان قيثارة نفسه، وصدى لقبيلته بعد ذلك ) ) (2) .

ثم إن بعض الأغراض الشعرية الأخرى ارتبطت بفن الغزل ارتباطًا وثيقًا بحيث إن الشاعر قد ينظم في غرض شعري ما، وصولًا إلى غرض الغزل والعكس أحيانًا، ويقول أحد الدارسين في هذا الشأن: (( بل إن الأغراض الأخرى التي عرض لها الشعراء الجاهليون لم تكن- في كثير من الأحيان- مقصودًا إليها قصدًا ولا متعمّد تعمدًا.. كانت روح الحب وعواطف الهوى هي التي تبتعثها وهي التي تكمن وراءها... وبتعبير آخر، كانت هذه الأغراض تتصل بالغزل بهذا المسبب أو بذاك، بالسبب الواضح، أو بالسبب الغامض ) ) (3) ,

ومن أهم مايجدر الإشارة إليه في القصيدة الجاهلية، ليس شعر الغزل الذي يأتي في ثنايا موضوعات الشعر الجاهلي الذي يختلط فيه شعر الحرب بشعر الحب، والرثاء بالفخر مثلًا، ولكن أن تسن سنة يتعذر تجاوزها أو الخروج عنها لدى الشاعر الجاهلي عامة، فتلك التي نريد الوقوف عندها ومحاولة معالجتها ونعني بها ما اصطلح عليها بالمقدمة الطللية، أو الوقوف على الأطلال وبكاء الديار الدارسة.

لقد عالج جلّ شعراء الجاهلية -إن لم نقل كلهم- في مستهل قصائدهم -قصة الدار الدارسة، فوصفوها وحّددوا معالمها، وافْتَنُّوا في تحديد مواضعها والإشارة إلى ملامحها التي تدلّ على وجودها في الزمن الماضي، الذي له علاقة حميمة بذكرياتهم مع الحبيبة، والتي امّحت ودَرَسًتْ ديارها بذهابها، فما بقي إلا البكاء على أطلالها واسترجاع ذكرياتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت