لعل الحقبة التاريخية المبكّرة التي عاش فيها الطبري (224-310هـ) تشفع له أن يطلق مثل هذه الأحكام، لأن تلك الحقبة، لم تكن تعرف الدراسات اللغوية المقارنة، ولم تكن تملك وسائل المعرفة العلمية المتقدمة في أصول اللغات، ولم تكن قد ظهرت بعد دراسات المعرّب والدخيل بوجهها الموسّع على يد الجواليقي (ت540هـ) ، وما كان مفقودًا في عصر الطبري قد ظهر في الدراسات اللغوية الحديثة بفروعها المقارنة والتأصيلية، وقيام دراسات جادة حول المعرب والدخيل أزال اللبس عن هذه المسألة، فباتت معروفة أصول الكلمات ولم يعد هناك غموض في نسبتها، على الرغم من اختلاف المواقف في ذلك.
ومع كلّ ما قال يبقى في مذهبه هذا ما يدفعنا إلى التساؤل: هل يلحظ في تسميته تلك القائمة على اقتران اسم الأمتين المستعملتين للفظ، والشروط التي وضعها لإطلاق تلك التسمية وميض نظرة متقدمة إلى اللغة، عند الطبري، تنمّ على أنه كان يرى أن اللغة بنت الحاجة والاستعمال، وأنّها قاسم مشترك فيه بين الأمم، ومن حق الأمة المستعملة للفظ أنْ ينسبَ إليها، وعندما يكون اللفظ مستعملًا في لغتين، لا يضير -في رأيه- أن ينسب إلى الأمتين؟ فهو يرى أن اللغة كالمال والقادر على استخدامه والتصرف به هو المالك له، فالاستعمال في رأيه هو المعوَّل عليه.
ومنطلق الطبري هذا منطلق لغوي محض، يدعمه منطق العربية، ومذهب العرب في استخدام كلامهم، فهو يعوّلون على الكلام الأكثر استعمالًا واستخدامًا من غيره في نصوصهم الأدبية، وعلى هذا بنوا قواعد لغتهم، وهو في مذهبه هذا يلتقي مع ابن جني في قوله: (ماقيس عى كلام العرب فهو من كلام العرب) (19) ولكنه أضاف أنه لاضير أن ينسب إلى غير العرب إذا كان مستعملًا في لغتهم.