(( ماوقع في القرآن من نحو المِشكاة، والقسطاس، والاستبرق، والتّبحيل، لا نُسَلِّم أنها غير عربية، بل غايتُه أنّ وضعَ العرب فيها وافق لغة أخرى كالصابون والتنور، إن اللغات فيها متفقة ) ) (16)
والطبري لا يقبل أن تسمّى تلك الألفاظ التي اتفقت في اللفظ والمعنى في لسانين من ألسنة الأمم المختلفة عربية، ولا فارسية، ولا حبشية، ولا رومية، ولا معربة، بل يطلق عليها تسمية لعلها خاصة به، فهو يرى، أن يُسمَّى اللفظ المتفق في الفارسية والعربية (عربيًا فارسيًا) ، واللفظ المتفق بالحبشية والعربية (حبشيًا عربيًا) ، واللفظ المتفق بالرومية والعربية (روميًا عربيًا) ، وشرط ذلك عنده أن تكون الأمَّتان مستعملتين له في بيانهما ومنطقهما، استعمال سائر منطقهما وبيانهما.
وهذا يتضح من رفضه آراء القائلين على تلك الكلمات: (إنّ ذلك كلَّه فارسي لا عربي، أو ذلك كله عربي لا فارسي، أو قال بعضه عربي وبعضه فارسي، أو قال كان مخرج أصله من عند العرب فوقع إلى العجم فنطقوا به، أو قال: كان مخرج أصله من عند الفرس فوقع إلى العرب فأعربته) (17)
وعلَّل ذلك بقوله: (لأنَّ العرب ليست بأولى أن تكون صاحبة ذلك الأصل، ولا العجم أحق أن يكونوا أصحاب ذلك الأصل، إذا كان استعمال ذلك بلفظ واحد موجودًا في الجنسين. والمدّعي أنَّ مخرج أصل ذلك إنّما كان من أحد الجنسين إلى الآخر، مدع أمرًا لا يوصل إلى حقيقة صحته إلاّ بخبرٍ يوجب العلم، ويزيل الشك ويقطع العذر صحته) (18)