وبعد سرد تاريخي لأحوال القضاء يقول العسلي:"واتفق الأئمة الأربعة والفقهاء المتقدمون والمتأخرون على أن القاضي إذا أخذ القضاء بالرشوة لا يصح قضاؤُه، وإذا حكم لا يُنفّذ حكمه ويجب نقضه. وأجمع الفقهاء على أن القاضي إذا ارتشى لا ينفذ قضاؤُه فيما ارتشى فيه. وقال السرخسي لا يُنَفَذْ كله".
هذه الفقرة تعبّر بوضوح عن هدف العسلي من وراء دعوته في كتابه إلى إصلاح القضاء عن طريق اجتثاث جذور الرشوة في هذا السلك. فالعسلي يقدم البراهين الدامغة، في القسم الخامس، مبينًا أن معظم القضاة ونوابهم في العهد العثماني دفعوا الرشاوى لأصحاب القرار من أجل الحصول على منصب القضاء، ثم تلقوا الرشاوى لاسترداد مادفعوه في إستنبول من جهة ولجمع ثروة لهم من جهة أخرى.
القسم الخامس والهام من الكتاب يتناول أحوال القضاء العثماني المتردي في العهود العثمانية الأخيرة. وواضح من هذا القسم أن العسلي كان على اطلاع واسع وعميق على أحوال القضاء وماوصل إليه من انحطاط.
يبدأ العسلي بقضية تأهيل القضاة. فنواب القضاة، الذين تخرجوا من مدرسة النواب المؤسسة 1272، لم يكونوا في أكثريتهم مؤهلين لممارسة القضاء. وجميع من التقى بهم العسلي من خريجي مدرسة نواب القضاة لم يكونوا عالمين بأحكام الشريعة ووظائف القضاء. ويشبههم العسلي بـ
"حاطب ليل"، يخبطون في أحكامهم خبط عشواء"."
ويشرح العسلي بالتفصيل كيفية تجديد تعيين نواب القضاة في الآستانة. فهم حين"يذهبون إلى الآستانة في طلب التعيين ينتظرون زمانًا طويلًا ويتكبدون نفقات طائلة ويقاسون أنواع العذاب ولايحصلون على نيابة (القضاء) إلا بعد أن يصرفوا ماجنوه من أموال العباد في خلال نيابتهم الأولى. فيخسرون ماجمعوه وتبقى عليهم حقوق العباد وعذاب الواحد الديان. وأغلبهم يصل إلى النيابة (نيابة القضاء) إما بطرق غير مشروعة وإما بشفاعة غير جائزة وندر من غدا نائبًا بطرق سهلة".