وفي ذلك نلمس انحراف الفئات الهامشية، وسقوط الكثير من أفرادها قديمًا وحديثًا، في حمأة الجنس، والمخدرات للأسباب التي يمرّون بها، ويعانون منها. ... واغتراب في معشر أنذالِ
* عزلة واغتراب:
ولكن تلك الأصوات التي اعتقدت أن في الاستسلام خلاصها. كانت من جانب آخر تشكو مرارة الاغتراب، والحرمان، والانزواء في دهاليز الوحدة، والعزلة، وبذلك تتعمّق مظاهر المأساة الفردية، إذ يصبح الإنسان غائبًا، صامتًا، لا شأن له بما يجري من حوله، وبذلك يفقد وجوده الاجتماعي معناه، فيصبح كائنًا مستلبًا، محبطًا عاجزًا عن الفعل أو المشاركة في إطار الحياة العامة.
هذا ما كان يشعر به الأحنف العكبري من اختناق، وضياع، واغتراب إذ يقول: (35)
عشْتُ في ذلةٍ، وقلّةِ مالٍ
ولعل ذروة المعاناة تكمن حين يفقد الإنسان، روابط الإخاء، والانتماء التي تشدّه إلى أبناء جنسه، ومجتمعه، فيشعر أنه منبوذ، ومعزول، وهذا مصير صعب كان العكبري من خلاله يحسد حشرات الأرض، ودوابها، لأنها أحسن حالًا مما كان فيه حيث يقول: (36) ... تأوي إليه، ومالي مثلَه وطنُ
العنكبوت بنت بيتًا على وهن
والخنفساء لها من جنسها سكنٌ ... وليس لي مثلها إلفٌ ولا سكنُ
والواقع أن أدب الفئات الهامشية ، يطرح قضايا أخرى، قد نلحظها في الأدب الشعبي وهي على غاية من الأهمية، إذ تكشف بشكل مباشر، أو غير مباشر علاقة المثقف بالسلطة، أو علاقة القاع بالقمة.
فهذا الأدب نقل لنا صورة القاع الاجتماعي للفئات المسحوقة، ورسم ملامح الواقع بقتامتها، ودون تزييف أو تنميق.
وقد يأخذ البعض على ذلك الأدب مستواه اللغوي أو الفني، فينبذه من حظيرة الأدب، وهذا يعني تخصيص سلطة فنية مستمدة من مفهوم الأدب الرسمي.
وأدب الهامشيين أدبٌ استمدَّ لغته، وشكله، ومضمونه من خلال مفردات البيئة التي تكوّن فيها، لأنه كان تعبيرًا عنها، ولم يكن موجهًا إلى تلك النخب ليخاطبها وفق المعايير البلاغية، والجمالية التي ترغبها، أو ترتضيها.