فهرس الكتاب

الصفحة 15906 من 23694

وهذا ما نجده في أدب الحمقى والمتحامقين، وهو ما يبرز في أصوات الشحاذين، والمتسولين، والمتطفلين، الذين اكتشفوا أن المواجهة غير المتكافئة بين سلطة الثروة والفقر، وبين بطش الحكام وعجز العامة قد دفعت بهم إلى ضروب من أنماط السلوك، والانحرافات، فارتضوا ذلك مادامت أسباب التغيير مستحيلة.

ولهذا نجد بين المتحامقين من يقول بالتحامق، ويدعو إليه كالشاعر الغنوي إذ يقول: (31)

الروحُ، والراحةُ في الحمقِ

فمن أراد العيش في راحةٍ ... فليلزمِ الجهلَ مع الحُمْقِ

ويفهم من ذلك أنَّ هذا المسلك التهميشي الذي تتخذه النخب المتنفذة تاريخيًا، يعبر عن سياسة مقصودة في محاصرة تيارات المعارضة، أو شرائح الساخطين، والمتمردين. ... فإن العقل حرمانٌ وشوم

إذ تدفع بهم إلى اليأس، والإحباط، والاستسلام في قبول ما هو مفروض عليهم، ويسوق أكثر من أديب رأيه، أو شهادته في التعبير عن هذه الحالة. فقد كان صالح بن علي النصيبيني يقول:"جددْتُ فشقيتُ، ثم تحامقْتُ، فأرحتُ، واسترحت" (32)

وهكذا يصبح الاستسلام واقعًا يستحيل التخلص منه إلاّ بالقبول به، فما جدوى العقل في زمن مجنون، وما نفع العلم في زمن جاهل، وباختصار صار المعقول، وما يجب أن يكون قضيةً خاسرة أمام سطوة الجهل وغير المعقول، على النحو الذي يكشف عنه قول الشاعر: (33)

إذا كان الزمانُ زمان حمقٍ

فكن حمقًا مع الحمقى، فإني ... أرى الدنيا بدولتهم تدوم

ويكاد خطاب تلك الشرائح يتفق في هذا الجانب، فأنت تجد لدى المتطفلين تأكيدًا أن حياة التطفيل هي الخلاص من المعاناة، وتقرأ ذلك في خطاب المتسولين، فهذا أبو دلف الخزرجي يرى على لسان الشحاذين، أن الكدية بطقوسها، وأساليبها هي الباب إلى النجاة، وفيها تتحققُّ حرية المكدي، ويجد الراحة، والطمأنينة: حيث يقول: (34) ... تَ في العُسْر، وفي اليُسرِ

فطبنا نأخذ الأوقا

فما ننفكُّ من صمي ... وما نفتر من مَتْرِ

فأحلى ما وجدنا العيش ... بين الكمد، والخمر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت