فهرس الكتاب

الصفحة 15905 من 23694

إن ولع أبي العبر بالمحال من الكلام يكشف عن نزعة واضحة في العبث، والنيل من مكانة اللغة، والبلاغة في الإطار الرسمي، الذي يجري على أساسه تقريب الشعراء إلى مجالس الخلفاء، والأمراء. أما هو فقد اختلق نمطًا خاصًا به، ووجد له سوقًا رائجة في القاع الاجتماعي، ونال به إقبالًا واسعًا، وقد كشف عن سرطريقته في الكلام فقال:"كنتُ أبكرُّ فأجلس على الجسر، ومعي دواة ودَرْجٌ، فأكتب كلَّ شيء أسمعه من كلام الذاهب، والجائي، والملاحين، والمكارين، حتى يملأ الدَرْجَ من الوجهين ثم أقطّعه عرضًا، وألصقه مخالفًا، فيجيء منه كلام ليس في الدنيا أحمقُ منه" (28) .

وربما يتضح لنا تمرده على الأدب الرسمي في قصائده التي يقيم فيها علاقات لغوية، أو دلالات معنوية، تتسم بالتفكّك، وعدم الترابط، وكأنه بذلك يثور على اللغة، والمعنى والصور، والألفاظ، والقواعد في نزعة تحطيمية سريالية، ومن ذلك قوله: (29)

أقرَّ الشعراء أني

فقطْعتُ الرأس منهم ... ثم جلد القد دمدمْ

فعملنا منه طبلًا ... من طبول الخدِ دمدمْ

فضربنا به دمدمْ ... ثم دمدم، ثم دمدمْ

عجبًا يا قومُ مني ... كنت فيكم كالمُلملمْ

ولنتأمل هذا القول: (30) ... والطيلسانُ قرابة الخَفانِ

الخوخ يعشقُ وكَنة الرمانِ

يا من رأى قلبي، فعرقب أذنه ... فشممْتُ منه حموضة الكتانِ

*خلاص واسترخاء: ... وفي زوالِ العقل والخُرقِ

ويكشف أدب الفئات الهامشية عن استحالة الخلاص الجماعي، ولهذا مثّل لنا ذلك الأدب الدعوة إلى الخلاص الفردي، وهذه سمة نجدها في مواقف الأفراد، ولا سيما حين تمرُّ المجتمعات في تحولات صعبة، أو تواجه أخطارًا كبيرة.

وفي ظل الإحباط، أو اليأس، يعتقد الفرد أن الخلاص يكون حين يدير المرء ظهره للقيم الجماعية، ويبحث لنفسه عن خلاص فردي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت