فهرس الكتاب

الصفحة 15904 من 23694

وهكذا عبّر أدب الهامشيين عن تمرد غير مباشر اتخذ شكل اختراق السائد، والمألوف في السلوك الفردي ذي الاتجاه الواضح في الفوضى، والعدمية كأسلوب في تقويض أسس ما هو قائم، في إطار الصراع غير المتكافئ بين الطرفين.

فقد كان أبو العبر على سبيل المثال يأتي بما يصدم المجتمع في السلوك، والمظهر، والقول.

فهو يصطاد عاريًا، وقد ربط في كل عضو من أعضاء جسده آلة من آلات الصيد (25) .

ويصرُّ على أن يأتي بالأقوال، والحركات والمواقف التي تناقض قيم مجتمعه، وأعرافه. بل نجده، وفي أكثر من موقف يتمرّد على سلطة اللغة، ويهزأ من مكانة الشعر ويقيم علاقات جديدة بين الألفاظ، تشكّل تمرّدًا يهشم بلاغة اللغة، وعلاقات المعنى. مع ولع خاص بالجزافي، والعبثي، وغير المعقول: إذ كان يعقد مجالسه في الأسواق، والساحات العامة في هيئة غريبة. فهو يرتدي قلنسوتين في رجليه، ويعتمر خُفًَّا على رأسه، وقد جعل سراويله قميصًا، وقميصه سراويل" (26) ومن حوله جوقة تدق بالهواوين. حتى إذا ما اجتمع الناس، واشتدَّ الصخب بدأ الحاضرون بطرح التساؤلات على أبي العبر، فيردّ عليها بطريقة غريبة، تثير الضحك، لعدم الترابط بين السؤال والجواب."

وقد وصف لنا ابن المعتز أحد مجالس أبي العبر، وما كان يدور فيها بالقول: سأله أحدهم: يا أبا العبر لم صار دجلة أعرض من الفرات، والقطن أبيض من الكماة؟ فقال: لأن الشاة ليس لها منقار، وذنب الطاووس أربعة أشبار.

وقال آخر: لم صار العطار يبيع اللبد، وصاحب السقط يبيع اللبن؟ فقال: لأن المطر يجيء في الشتاء، والمنخل لا يقوم به الماء. وقال آخر: لم صار كلُّ خصي أمرد، والماء في حزيران لا يبرد؟ فقال: لأن السفينة تجنح، والحمار يرمح" (27) ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت