فهرس الكتاب

الصفحة 15903 من 23694

وفي مقام النقد يبرز صوت الأحنف العكبري المكدي، وهو شاعر استطاع أن يكتشف خلل عصره، وسبب سوء حاله، وحال أقرانه، فوجد ذلك في النهب، والاستغلال الذي تمارسه النُخب المتنفذة، المتسلطة فقال: (22)

رأيْتُ في النوم دنيانا مزخرفة

فقلْتُ جودي. فقالت لي على عجلٍ: ... إذا تخلّصْتُ من أيدي الخنازيرِ

وفي إطار نقده السياسي، يصوّر لنا بتورية ذكية رموز السلطة، وشخصيات الحكّام في عصره، ليدل من خلال ذلك على أن سوء الأمور نتيجة منطقية لتصرفات هؤلاء المغفلين، السذّج الذين يديرون بجهالاتهم أمور الناس، والرعية فيقول في لقطة سياسية ذكية: (23) ... قلْتُ: هيهاتَ كلُّ ذاكَ بُخارُ

قال: رؤيا المنام عندك حقٌ

ليت يقظانهم يصحُّ له الأمر ... فكيف المغطُّ، والنخّارُ؟

ثمة جوانب أخرى من نقد الأخلاق، والعادات، ومظاهر الرياء، والتملّق لم تكن بعيدة عن اهتمامات أدب الهامشيين، يمكن أن نصادف نماذج كثيرة، نكتشفها في بطون كتب التراث، ويمكن من خلالها أن نقف على المدى الواسع الذي شمله نقد تلك الفئات بكل جرأة، وشجاعة، ووضوح. ... ومرّوا في الحرمرمْ

* التمرد الذاتي:

ويبدو أن الجنون كما يرى فوكو ذا طبيعة كونية حين يرتبط بحدود الحرية، التي تسمح بها ثقافة ما. فالحرية"لها حدود سواء في مجال السياسة، والأخلاق، والدين، والجنس، والتعبير" (24) . ويبدو أن لكل"عصر ثقافة وقوانين قسرية"ومن يتمرد على سلطة هذه القوانين، ويخترق حدودها يُواجِه غضب المجتمع ونقمته.

والقانون بحد ذاته، لا يمكن أن يحقّق مصلحة كل الفئات، ولا أن يلبي رغبات الجميع.

ومن هنا تبرز المقارنة بين التوافق، والتضاد.

ولعلَّ أكثر الأدباء الهامشيين كانوا يحسّون في أعماقهم نزوعًا إلى التمرد، والتحرر من سلطة المجتمع بأشكالها المختلفة. وعندما لم يكن هذا الأمر متاحًا لهم في الظروف العادية، اتخذوا من التحامق أو التجانن وسيلة للخلاص من تلك السلطة، وتمرّدوا على نواظمها، وقيمها، وتقاليدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت