فهرس الكتاب

الصفحة 15902 من 23694

فهل كان سعدون المجنون قادرًا على مخاطبة الخليفة، ونقد تصرفاته، لو لم يكن مجنونًا أو متظاهرًا بالجنون إذ يقول: (18)

يا من بنى القصر في الدنيا، وشيّده

لو كنْتَ تغنى بذخر أنت ذاخره ... أسسّتَهُ، حيث لا سوسُ، ولا حرقُ

والموتُ مصطبحٌ منكم، ومُغتبقٌ ... فاحتلْ لنفسكَ قبلَ الورد يا حمقُ

ولنتأمل هذا الموقف الذي اعترض فيه صّباح الموسوس موكب صاحب شرطة ابن هبيرة وبادره بالقول على مسمع من الناس:"يا بن أبي الزرقاء، أسمنْتَ بِرذَوْنَك، وأهزلت دينك، أما والله إنّ أمامك عقبةً لا يجاوزها إلاّ المُخفُّ. فوقف ابن أبي الزرقاء. فقيل له: هو صبّاح الموسوس. فقال: ما هذا بمُوَسْوَس" (19) . ... غدا غيظ بني البظرِ

وفي الجانب السياسي المعبّر عن التناقضات، والاضطرابات، وتنازع الزعامات، أظهر المتحامقون معرفة دقيقة في فهم ما يجري. فجهروا بالنقد الكاشف الذي لا يجامل ولا يتستر، ولا يداري، ومن ذلك أن سيبويه المجنون تعرّض في السوق لموكب جعفر بن الفضل بن الفرات، فقال له ناقدًا، وساخرًا:"ما بال أبي الفضل قد جمع كتّابه، ولفّق أصحابه، وحشد بين يديه حجابه، وشمّم أنفه، وساق العساكر من خلفه؟ أبلغه أن الإسلام طُرق، وأن ركن الكعبة سرق؟ فقال له رجل: هو اليوم صاحبُ الأمر، ومدبر الدولة. فقال عجبًا: أليس بالأمس نهب الأتراك داره ودكدكوا آثاره، وأظهروا عواره. وهم اليوم يدعونه وزيرًا، ثم صيّروه أميرًا؟ ما عجبي كيف نصبوه، بل عجبي كيف تولى أمر عدوهم ورضوه؟" (20)

والنقد تحت غطاء الجنون أسلوب عرفته الفرق، والطوائف والأحزاب، فقد أشار أبو دلف الخزرجي إلى الممرور في قصيدته المشهورة فقال: (21)

ومنّا كلُّ ممرورٍ

وجاء في شرح ذلك أن الممرورين"قوم يلبسون الثياب الممزقة، ويحلقون لحاهم، ويوهمون أنهم موسوسون، وأن المرار غلب عليهم فيشيدون بفئة، ويذمون أخرى وينسبهم الناس إلى الجنون، فلا يؤاخذونهم بما يقولون"... مثلَ العروس تراءتْ في المقاصيرِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت