فهرس الكتاب

الصفحة 15901 من 23694

فالمتحامقون يسيرون على خُطا نيتشه، في رفضهم التسليم بظواهر الأشياء، وتجاوز ذلك إلى الأعماق، والخفايا، ويرون في نقدهم"أن الإيمان بالحقيقة هو الجنون بعينه" (15) وفكرة هؤلاء الأدباء أن الإنسان مادام مستسلمًا، لنفوذ الظواهر المكرسة، وخاضعًا لسلطتها، فإن العقل لا يكفي لاكتشاف بطلانها. إذ تبرز أمامه سدود صارمة وموانع رادعة، زاجرة، وعندئذ فإن التجانن، أو التحامق هو السبيل لاختراق تلك الحواجز، وهو المنهج لتقويض سلطة ما هو سائد، ومفروض. وذلك على غرار ما يقول فوكو في تاريخ الجنون:"لقد علمتنا التجارب أنه غالبًا ما تستطيع التوصل إلى الحقيقة عن طريق اغتصاب العقل، واختراق حدوده القاسية" (16) والمقصود بذلك، أن العقل ضمن منطق الخوف، والرقابة، والحساب، قد يؤثر السلامة فيتآلف مع الواقع القائم. في حين أن التحامق أو التجانن إذ يسقط مفهوم الحسابات فإنه يتجاوز حدود المنع والمحرمات. وتظاهر المتحامقين بالجنون أو الهلوسة أسقط عنهم في العرف المعمول به عقاب المجتمع بذريعة غياب العقل، وهذا ما جعلهم أكثر قدرة من الأدباء الآخرين، على ممارسة النقد الجارح، والعميق لمظاهر الفساد والخراب.. والقرائن كثيرة في الدلالة على عجز العقل في مواجهة سلطة الاستبداد، أو الجهل المتنفّذ. وكتب التراث تزخر بحوادث الاغتيالات، وأصناف التعذيب، وأشكال المطاردات، والنفي، والسجون.

ونقْدَ المتحامقين أسلوب ذكي، أو لنقل: إنه مواجهة ذكية للواقع بالوسائل التي تنسجم ومنطق ذلك الواقع، وبالطريقة الممكنة التي تحقق غرض أولئك الساخطين المتذمرين.

لقد تناول الحمقى والشحاذون كثيرًا من جوانب الحياة الاجتماعية، والسياسية بالنقد والتقريع. ولهم في ذلك جولات طالت مظاهر التسلط، والظلم، والتمايز، والاستغلال.

وتبرز بين أيدينا المحاورات المشهورة بين سعد المجنون والمتوكل، وبين بهلول الموسوس والرشيد، وبين عليان والهادي. (17)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت