وشاعر آخر اسمه ابن صلوة، كان جيد الشعر، صائب الرأي، ولكنه محروم، لايؤبه له"فنبذ العقل جانبًا، ومال إلى التحامق، وأخذ في الهزل والعبث، فحسنت حاله، وراج أمره، حتى إن الملوك، والأشراف أولعوا به" (10) .
وهذا أبو العجل الشاعر المتحامق، يدافع عن تحولاته في عالم الحماقة بالمقارنة بين ما كانت عليه حياته زمن العقل والجِد، وما صارت إليه في عهد الحماقة فيقول: (11)
اكففْ مَلاَمكَ مُحسنًا
أعلى الحماقةِ، لمُتني ... قد كنتُ مثلكَ أوّلا
فدخْلتُ مصر وأرضَها ... والشامَ ثم الموصِلا
وقرى الجزيرة لم أدعْ ... فيها لحيِّ منزلا
إلاّ حلْلتُ فناءَهُ ... بالعقل كي أتمولا
وإذا التعاقل حرفةٌ ... فعزمْتُ أن أتحولا
فانظرْ إليَّ أَما ترى ... حال الحماقة أجملا
مَن ذا عليه مُؤنبي ... حتى أعود، فأعقلا
ونقرأ هذا الاعتراف مرة أخرى في قول ابن قادم: (12) ... أيّها اللائمونَ في الحُمْق مهلا
ولقد قَلْتُ حين أغرَوْا بلومي
حُمقي قائم بقوت عيالي ... ويموتون، إن تعاقَلْتُ هزلا
تلك هي مأساة الأدب، والعقل، والجد، كما عبر عنها أكثر من شاعر، كان الأحنف العكبري واحدًا منهم إذ قال: (13) ... يكاد، يدرك إلاّ بالتفاريقِ
قد قسَّم الله رزقي في البلاد فما
ولستُ مكتسبًا رزقًا بفلسفة ... ولا بشعرٍ، ولكن بالمخاريقِ
والناسُ قد علموا، أني أخو حيلٍ ... فلسْتُ أنفقُ إلاّ في الرساتيقِ
ومن هذا المنطلق كان اعتراف شاعر آخر بتظاهره بالجنون، لأنه الوسيلة على ما يبدو لكسب القوت إذ يقول: (14) ... فالعقل في ذا الزمان حرمانُ
جنْنتُ نفسي لكي أنال غنى
* النقد الاجتماعي: ... أسّسْتَ قصركَ حيثُ السيلُ والغرقُ
والنقد الاجتماعي لمظاهر الخطأ، والفساد، هو المنطلق الآخر لأدب الفئات الهامشية.