فهرس الكتاب

الصفحة 15899 من 23694

ويبدو أنَّ أخذ دور المهرج يؤدي إلى تحقيق هذه الغاية أكثر مما يؤديه دور الجد، والتعاقل. ففي محاورة"ابن أخي رامو"لديدرو، نجد المهرج المتحامق يخاطب الفيلسوف قائلًا:"كنت سأصير مثل جميع المتسولين الذين أثروا، كنت في السابق أسرق الأموال من تلاميذي، أما الآن، فإني أكسبُ هذه الأموال على الأقل مثل الآخرين. إن أهالي التلاميذ كانوا يغصون بثرواتهم المكتسبة الله يعلم كيف. لقد كانوا من رجال الحاشية، ومن رجال الأعمال، والبنوك، وكبار التجار. فإذا كانت كل الأنواع تتصارع في الطبيعة، فإن كل الأوساط تتقاتل في المجتمع. إننا كنا نقيم العدالة على طريقتنا من غير تدخل القانون" (4) .

هذا النص يضيء جوانب هامة ليس في زمن ديدرو، ومجتمعه، ولكنه يضيء جوانب مشابهة في كثير من المجتمعات. ولعل ذلك مع بعض فروقات الزمان، والمكان هو ما أحاط بأدباء الفئات الهامشية.

وعلى هذا الأساس كانوا يكسبون المال كالآخرين، لقد أرهقهم طريق العيش بالعقل، والجد، فوجدوه بالتحامق، والاستجداء، يقود إلى الثروة، ومجالس الجاه، ومراكز السلطة، فكانوا المهرجين، والمضحكين الذين استطاعوا بهذه الطريقة انتزاع المال، الذي يعلم الله بأية طريقة جمع، وكسب.

هذا شاعر اسمه أبو العبر. قالت المصادر: إنه حافظ لكل عين، جيد الشعر، ولم يكن في الدنيا صناعة إلا وهو يعملها بيده (5) .. وعلى الرغم من ذلك كان"معدمًا في نهاية النصب واللعنة" (6) وكان الموقف أن هجر أبو العبر العقل، وسلك درب التحامق، لإدراكه كما قال ابن المعتز:"إن الحماقة والهزل أنفق على أهل عصره" (7) ، فكسب بحماقاته كما يقول الأصفهاني:"أضعاف ما كسبه كلُّ شاعر في عصره بالجد" (8) .

وكان يرد ذكره في بعض المجالس، وتذكر حماقاته، فأراد يزيد بن محمد المهلبي أن يقف على حقيقة أمره، فأجاب عن ذلك محمد بن مدرك بالقول:"والله ما كان إلاّ أديبًا فاضلًا، ولكنه رأى الحماقة أنفق، وأنفع له فتحامق" (9) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت