وإذا كان الحمق باتفاق المعاجم نقيض العقل، فإن التحامق بإجماع الآراء نقيض ذلك، وخلافه. فهو لا يرجع إلى تكوين ينشأ عليه المرء، ولكنه ينطلق من تطبّع مقصود. فالمتحامق إنسان يرتدي لباس الأحمق لأسباب إذا ما عرفناها أمكن لنا أن نفسر انجراف كثير من الأدباء، والعلماء، والمتصوفة إلى سلك الحماقة، ونهج الرقاعة.
ولعلَّ القراءة الدقيقة لنصوص أولئك المتحامقين، وتحليل اعترافاتهم الشخصية تمدّنا بأكثر تلك الأسباب، وفي مقدمتها يبرز دافع العمل، والتكسّب بالإضافة إلى أغراض أخرى منها: النقد الاجتماعي، والتخلّص من المآزق، والتحرر من سلطة الرقابة، والهرب مع الواقع إلى دنيا الوهم والخيال.
ولكي تتضح لنا هذه الجوانب، وتلك الدوافع لابُدَّ من وقفة سريعة عند تلك المحطات الأساسية في أدب الفئات الهامشية. فماذا سنجد؟
* التكسّب بالتحامق والتسول:
في البداية نشير إلى أن الأزمات التي يمرُّ بها الأدباء، والمثقفون ليست واحدة، كما أنها ليست مطلقة. والصورة التي نقرأ في جوانبها عن شاعر أو أديب، كان ينعم بأسباب الحياة الهانئة، لعطاء أصابه، أو جائزة فاز بها، هذه الصورة تقابلها صورة قاتمة عن بؤس أدباء، وشعراء، وعلماء كانوا لا يجدون قوت يومهم، ورزق عيالهم (2) .
وفي المجتمع العباسي أخذت صورة البؤس تتسع، ولا سيما في مرحلة التفكك، والضعف، وبروز الاضطرابات، وقيام الزعامات، وما نجم عن ذلك من خلل اقتصادي، أو نزاع سياسي، واجتماعي.
وفي هذه البيئة انحدرت مكانة العلم، وانحطّت منزلة العقل، وكسدت بضاعة الأدب مما دفع الكثيرين إلى التشرد، والاغتراب، والجنوح إلى دنيا التسول، ومن هذا المنطلق صار التحامق وسيلة لكسب القوت، والثروة أيضًا (3) .