لاشك في أن الصور المدركة تحقق إحساسًا ذهنيا يساوي انطباع صورة المحسوس في أعضاء الحواس فحينما تثار النفس تحاط بهيمنة العقل ولاسيما البواعث الذهنية عندما تترجم الخيال المستساغ صورة حسية بوصفها معيارا للانفعالات ومن تلك الدلالة تعد انفعالات يحيى الغزال استقراءً للصور المتراكمة في الذهن دون تجاوز للزمان والمكان لأنهما كفيلان في تحديد ظاهرة التخيل المستمدة من المحيط الاجتماعي والبيئي في قوله: ... غري بذا من ليس ينتقد
قالت أحبك قلت كاذبة
هذا كلام لستُ أقبله ... الشيخ ليس يحبه أحد
سيّان قولك ذا وقولك إن ... الريح نعقدها فتنعقد
أو أن تقولي النار باردة ... أو أن تقولي الماء يتقد (48)
وتتجلى الأبعاد المحيطة بالصورة في الصورة الحسية حينما تتحدد بإدراك المتلقي ولاسيما إذا كانت متجانسة مع العرف في كل زمان ومكان، لأن التجربة تكسب الصورة انفعالات حقيقية لاتبعد عن متلقيها أبدا كما في قوله: ... من الحياةِ قصيرٍ غيرِ مُمْتدّ
أصبحتُ واللهِ محسودًا على أمَدٍ
حتى بقيتُ بحمدِ اللهِ في خَلَفٍ ... كأنني بينهم من وحشةٍ وحدي
وماأفارقُ يومًا من أُفارقهُ ... إلا حسبتُ فراقي آخرَ العهد
أنظر إليَّ إذا أُدْرِجْتُ في كفني ... وانظر اليَّ إذا أُدرجتُ في اللحد
واقعدْ قليلًا وعاين من يقيمُ معي ... ممَّن يُشيّعُ نعشي من ذوي ودي
هيهات كُلّهم في شأنه لَعِبٌ ... يرمي الترابَ ويحثوهُ على خدي (49)
فحينما تكون التجربة موازية للخيال- لاشك- تكون البنية الفنية للصور الشعرية ضربًا من تجانس الحقيقة والمجاز في تشكيل الصور الشعرية، وعندئذ يكون التكافؤ معيارا للصورة، سواء كان التشكيل في بيت أم في نتفة أم في مقطوعة أم في قصيدة، لذلك ظلت أبعاد صور الغزال الشعرية متجانسة ومتكافئة في الحقيقة والمجاز، ولاريب في أنّ القسمَ صورة تحقق دلالة اليقين والاستقرار لكي تتجسم أبعاد صورة المشكوك فيه فضلا عن الثنائيات: ... فأمطو للذاتٍ لدى السهل والوعر (50)
لعمري ماملكت مقودي الصبا