ونتيجةً لذلك نود أن نقرر من جهة أخرى أنّ انفعالات المبدع -الشاعر- وتوتره النفسي يجسدان الأحداث والأفعال المحيطة به وتكون الحياة عاملًا لانسجام شاعرية الشاعر والمواقف المتاخمة لحالته التي تتطلبها عوالم الشعر، فعندئذ يكون مبدأ الصورة خفيا لتقرير كليتها أو جزئيتها لكونها تثير اهتمامه بعد لذة الإبداع أو السحر اللامتوقع أثناء تركيبها. ولاشك في أن الحكم لايتم إلا عن طريق استيعاب تراكيب الصورة من خلال الأفكار المحيطة بها. ويتحدد هذا الشكل كلما كان البناء متماسكًا واضحا يحقق غاية المبدع في المتلقي (35) . ... إلاّ لسانًا ملحًّا بالملامات
أنواع الصورة:
يُعد الشعر أمكن الفنون الأدبية على اكتساب الصور، لأنه من خلال النظم تتفاعل معه أغلب الحواس ولاسيما السمعية والبصرية، وعندئذ تندمج المشاعر في بلورة المحسوسات وفي إمرار الإيحاءات الذهنية التي تتملأها الشاعرية في تجسيم الصور الشعرية.
إنّ الصورة البصرية تكاد تكون محيطة بأغلب الشعر العربي لأنه يصور ماتقع عليه عيناه بيد أنها تختلف من شاعر لآخر لأن الصورة المثلى لاتقوّم من خلال كونها صورة، بل تقوّم من خلال تفاعل المتلقي مع صيرورتها في قياس الإحساسات المتفاعلة معها على الرغم من كونها خيالا اكْتُسِب، فبات مشاعرَ وأحاسيس، بوصفه محيط الذاكرة،"وليس الخيال نفسه إلا عملًا من أعمال الذاكرة" (36) . فحينما صوره الغزال إمرأة أراد السخرية منها قصد الصور البصرية لأنها أقرب إلى المتلقي من غيرها، فهي تمثيل وقياس كما قال الجرجاني بيد أن القياس في صور الغزال الشعرية ظلّ موحيًا بالسخرية التي امتلأت بالصور المنبوذة، ولاسيما الصور التي لم تخطر على بالٍ في قوله:
جرداء صلعاء لم يبق الزمان لها
لطمتها لطمة طارت عمامتها ... عن صلعة ليس فيها خمس شعرات
كأنها بيضة الشاري اذا برقت ... بالمأزق الضنك بين المشرفيات
لها حروف نوات في جوانبها ... كقسمة الأرض حيزت بالتخومات