وشمخت صورة المال الكلية في تحليله أيضا حينما تدبج بإطار حسن التعليل الذي تمكن منه الشاعر أي تمكن، فقد لون الصورة بصورة الجد والعمل والمثابرة، وبصورة الليل والنهار، وبصورة الحر والبرد، ولاغرابة اذا ماجسّمت هذه الثنائيات شكل الخير المطل على صورة المال الكلية بقوله: ... نهاره وليله على سفرْ
طالبُ الرزق الحلال لايقر
في الحر والبرد وأوقات المطر ... وماله في ذاك نزر محتقر
إن الحلال وحده لايختمر ... أين ترى مالًا حلالًا قد ثمر
ماإنْ رأينا صافيا منه كثر (32) ... يرى كل يوم واردًا غير صادرِ
فالذي يبدو في الصورة مغايرًا لما قلناه، لكن الحقيقة خلاف ذلك، لأن نفسية الشاعر ظلت واضحة معالمها، مكشوفة خفاياها، والذي يدل على ذلك تلك الصور التي جسمها في صور المال السالفة الذكر، لأنه لم يكن فقيرًا فهاض جناحه الفقر بل كان رجلا ميسورًا، شغل مناصب عدّة (33) .
فصورة المال الكلية أيضًا باتت في مستقر الهجران والوحدة، فالاغتراب لم يكن منقذا زوال النعمة"المال"ولا أرى اغترابًا أو غربة أبعد من الغربة الأبدية حينما يُصيّر الانسان تحت الثرى. والمال الذي يُسلي صاحبه المقابر يكاد يكون مالًا مبتذلًا إنْ لم نقل مقدسًا من لدن صاحبه، فعندئذ تكشف صورة المال الوقائع التي استنطقت الشاعر، فعبر عنها بوصفه شاعرية مرهفة في قوله:
أيا لاهيًا في القصر قرب المقابر
كأنَّك قد أيقنت أن لست صائرًا ... غدًا بينهم في بعض تلك الحفائر
تراهم فتلهو بالشراب وبعض ما ... تلذ به من نقر تلك المزاهر
وما أنت بالمغبون عقلًا ولاحجى ... ولا بقليل العلم عند التخابر
وفي ذاك ماأعناك عن كل واعظ ... شفيق وماأعناك عن كل زاجر
وكم نعمة يعصى بها العبد ربه ... وبلوى عدته عن ركوب الكبائر
سترحل عن هذا وإنك قادم ... وما أنت في شك على غير عاذر (34)