ولم يفارق شاعرنا جادة الصواب في تحقيق صورة المال، فنراه في هذه الصورة الجزئية يكاد يقترب من شعر الحكمة. فحينما جسَّد تلك الحقيقة في شخصيته -لاريب- كان رافضًا المال المرفوض. فصورة المال لأجل المال مرفوضة مهما كانت النتائج لأن ديدن جمع المال يلازم إشكالية التصرف به. ... لم أجمع المالَ ولم أكسبِ
لذلك جسَّد شاعرنا هذه الصورة الجزئية بقوله:
إنْ ترد المال فإني امرؤ
إذا أخذت الحق مني فلا ... تلتمس الربحَ ولاترغبِ (30)
ويبدو أن معاناة الشاعر تكشف عن بعدين أساسيين في مجرى صورة المال الكلية، فحينما طرقها في الصورتين الجزئيتين السالفتي الذكر كانتا مدار الصورة وفحواها، غير أنه في هذه الصورة الكلية، كان المدار غير الصورة المقصودة لكونه اقتطع صورة الموت وصورة المقابر، وصورة الفخر، وصورة العدل والإنصاف، وصورة المدن والبيوت، وصورة العبد والإناث والذكور، وصورة الثياب أصوافًا كانت أم حريرا وصورة الطعام كلها مجتمعة صُيّرت من أجل إعداد صورة المال لذلك جاء المدار غير الفحوى، على الرغم من أن الدلالة لم تبتعد عن الصورتين الجزئيتين، فالمقارنة ظلت سمطًا يجمع حبّات الصور التي ذكرناها لتؤدي دلالة سمط الصورة الكلية: ... بنوا تلك المقابر بالصخور
أرى أهل اليسار إذا توفوا
أبوا إلا مباهاة وفخرا ... على الفقراء حتى في القبور
فان يكن التفاضل في ذراها ... فإن العدل فيها في القصور
رضيت بمن تأنق في بناء ... فبالغ فيه تصريف الدهور
ألما يبصروا ماخربته الد ... هور عن المدائن والقصور
لعمر أبيهم لو أبصروهم ... لما عرف الغني من الفقير
ولاعرفوا العبيد من الموالي ... ولاعرفوا الإناث من الذكور
ولا منْ كان يلبس ثوب صوف ... من البدن المباشر للحرير
إذا أكل الثرى هذا وهذا ... فما فضل الكبير على الحقير (31)