وفضلًا عن هذا التناقض اليسير نجده في القرن التالي يرسخ سمات التقليد ويغفل بوادر التجديد التي ذكرها سابقًا؛ فإذا كان الشعر أكثر تأثرًا بالبيئة الطبيعية والاجتماعية الجديدة في الأندلس واستطاع في الشطر الثاني من عصر الإمارة أن يكسر بعض قيود التقليد المشرقية فمن المنطقي أن التأثر بالبيئة الأندلسية أكثر والتحلل من تلك القيود أكبر بمرور الزمن وإقامة الخلافة الأندلسية سنة 316هـ ندًا تعارض المشرقية، ولكن د.فروخ لم ير هذا الرأي واستمر في تعميق الأثر المشرقي، يقول:"لم يختلف الأدب الأندلسي في الشعر والنثر من الأدب المشرقي- في خصائصه المعنوية وخصائصه اللفظية- اختلافًا ظاهرًا" (50) .وكذلك الأمر في عصر ملوك الطوائف فما زالت الفنون والأغراض الأندلسية هي نفسها -برأيه- الفنون المشرقية ولكن"الأندلسيين عالجوا هذه الفنون وهذه الأغراض نفسها معالجة جديدة من حيث المقدار لا من حيث النوع، لقد أكثروا من التشخيص (إضفاء صفات الأحياء على الكائنات الجامدة) ومن سعة الخيال. أما فيما عدا ذَيْنِكَ فإن النَفَس المشرقي العربي والأثر المشرقي الفارسي -من خلال النفس العربي- ظلا يسريان في الأدب الأندلسي" (51) . ويظفر عصر المرابطين بإشارة يسيرة إلى استمرار التقليد فيرى أن"التقليد ظل باديًا على قصائد هؤلاء الشعراء وخصوصًا من أثر ديوان المتنبي وديوان المعري المشرقيين ولم تكتسب القصائد المقلدة كثيرًا من صحة الشعر المشرقي ومتانته" (52) . ويخلو عصرا الموحدين وبني نصر من أية إشارة إلى ذلك ولعل في هذا تراجعًا في الرأي وهروبًا من تغير الحكم بالصمت عنه.