فهرس الكتاب

الصفحة 15811 من 23694

وإذا كانت هذه الأفكار تعكس الحالة الفكرية العامة، في ذلك العصر، وتشي بأن المؤلف لم يستطع أن يبتعد عنها، فإنها توحي في الوقت نفسه بأن الظروف العامة لم تكن ناضجة بما يكفي للقيام بوثبة فكرية تحرر الأذهان من الخرافات والمعتقدات الساذجة.

ونحن نلحظ هذا الاتجاه في حديثه عن الوباء فهو من جهة يصفه من حيث شموله وصفًا صحيحًا، فيقول:"جرت عادة الناس بإيقاعهم هذا الاسم على الأمراض التي تصيب أهل بلد من البلاد وتشمل أكثرهم، وهذا إنما يكون لما يشترك الناس في استعماله فيصيبهم"، ويجب أن ننتبه هنا إلى قوله:"مايشترك الناس في استعماله"فكأنه يقترب بعض الشيء من مفهوم"التجرثم"Microbic لكنه من جانب آخر يخفق في متابعة الطريق فيعيد سبب الوباء إلى"فساد الهواء"مستشهدًا بقول منسوب إلى أبقراط:"إذا كان الهواء فاسدًا عم المرض أهل ذلك الموضع أو عمَّ أكثرهم، مثل مايكون عند نزول المطر الجود في زمن الحر الشديد، ودوام نزوله".

وهو يسترسل في هذا الاتجاه المغلوط معتقدًا أن مكافحة الوباء تكون بإصلاح مزاج الهواء، بحرق"خشب الطرف"والتبخير"بالسندروس"، والإكثار من شم"الطيوب"و رشِّ"القطران"قدّام المنازل، إضافة إلى تناول خبز الشعير.. والمنادمة بالخل.. الخ..

أما تفسير الأمراض الغامضة، فلا يبتعد كثيرًا عن تفسيره سبب حدوث الوباء... ويستشهد هنا أيضًا، بما ذكره أبقراط فقد يكون وباءٌ من غير سبب معلوم عندنا، قال- لعله يقصد نفسه- هو من غضب الله.

"وهذا إذا وقع ليس للطبيب فيه مجال"ويقدم مثالًا على المرض الغامض ماأصاب صبيًا صغيرًا، من حرارة يسيرة وسعلة خفيفة،"ثم نفث من يومه نفثًا أسود ومات من قرب".

ولست هنا بالطبع لأقف عند هذه الحالة، ومايمكن أن يقوله الطب الحديث فيها، حول مايعرض الرئتين أو الأجهزة الداخلية من مرض، فذاك آخر ما انتهى إليه علم ابن زهر ومعاصريه.

نهج ابن زهر الطبي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت