وعلى كل حال، فلابد من كلمة أخيرة، تقال حول فكر ابن زهر الطبي ومنهجه في العمل العلاجي خاصة، فهو يستشهد بين وقت وأخر بالطبيبين الشهيرين"أبقراط"و"جالينوس"مما يشير إلى أنه قرأهما واطلع على أعمالهما، وأنه كان مهتمًا بتوسيع معارفه الطبية وتوثيقها.
ولم يكن ذلك ليمنعه من الإعلان بين آونة وأخرى عن مخالفته لهما في بعض آرائهما، وهذا يعني أنه قد كوّن لنفسه فكرًا طبيًا خاصًا به.
وحين يتحدث عبد الملك عن منهجه في العمل، فإننا نلمح لديه نزعة تجريبية واضحة، مما ظهر بعد قرون في عصر النهضة، يقول: مثلًا في حديث عن دواء المسك:"إنما مدار أمرنا على التجربة مع القياس".. ونحن نعلم أن فكرة"التجريب"هي بين الأسس الهامة للفكر العلمي الحديث.
وثمة ملاحظة أخرى، تؤكد النزوع العلمي في فكر أبي مروان، نستنبطها من كلمة"القياس"الواردة في كلامه- فهو قد اقتبس فكرة"القياس"، كما يبدو من المباحث الفقهية التي كانت دارجة وكثيرة في أيامه، فكأنه قال في نفسه:"ومايمنع أن ننقل هذه القاعدة في القياس إلى الطب؟"...
ودون أن يريد هذا الطبيب، الذي كان يتنقل بين الأندلس والمغرب، فإنه أشار إلى ما كان يفعله الفقر المدقع بالناس حينذاك، إذ لاتتوفر بين أيديهم الأطعمة والأغذية، مما يتناوله جمهور الناس، في الأحوال العادية، فقد قال:"ويكون وباء- وإن كان الهواء لم يتغيّر- إذا عم الناسَ أكلُهم حبوبًا فاسدة عفنة من البُرِّ والشعير، ولسبب أكل أشياء غير مألوفة، كما يعرض عند ارتفاع الأسعار".
في مسؤولية ابن زهر العلمية
وتحدث أبو مروان حديثًا جميلًا عندما تناول أفضل شروط السكن وأحسن المساكن، قائلًا:"أفضل البلاد هو ماارتفع من الأرض وعلا، ولم يحجبه من جانب الشمال جبال تعلوه، وكانت في جوانبه الكروم، وكان ساحليًا".