ج ـ كان الخلفاء الأقوياء في جميع العهود يحمون الفلاحين من عسف الجباة ومن سوء الاستغلال ويعيدون النظر في الخراج لتخفيف وطأته كان عندهم ما يدعى التسويغ أي أن يسوَّغ الرجل شيئًا من خراجه، وما يدعى العبرة وهي أن يعتبر مثلًا ارتفاع السنة التي هي أقل ريعًا والسنة التي هي أكثر ريعًا ويجمعان ويؤخذ نصفهما وذلك بعد أن تعتبر الأسعار وسائر العوارض الواقعة. ومع ذلك فالناس لا يأتمرون جميعًا بأوامر الدين وبوازع الأخلاق بل قد يدفع الجشع بعضهم إلى تحصيل الملكيات الكبيرة وكنز الثراء ولاسيما من كان منهم من أصحاب النفوذ السياسي أو العسكري أو الإداري من عرب ومن فرس ومن ترك. وقد شبَّ بعض الثورات التي نادت بالعدالة وبأخذ أراضي الملاكين الكبار وتوزيعها على الفلاحين كثورة (بابك الخرَّمي) كما شبت ثورات من قبل الرقيق الذين كانوا يستغلون كثورة الزنج، ولكن هذه الثورات كانت مخربة ولم تكن بناءة. إن الشاعر الكبير ابن الرومي هاجم في أشعاره الأثرياء من التجار والجند وأصحاب الدواوين ووصف مجالسهم المترفة فهو يتفنن في وصف تلك المجالس التي تستهوي قلوب الشعراء يقول من قصيدة طويلة جيدة:
درّ صهباء قد حكى درّ بيضا
تحمل الكأس والحليّ فتبدو ... فتنة الناظرين والشرّاب
يالها ساقيًا تدير يداه ... مستطابًا ينال من مستطاب
لذة الطعم في يدي لذة الملـ ... ثم تدعو الهوى دعاء مجاب
لا يلبث بعد أبيات كثيرة مثيرة أن يندد بالأثرياء الذين يجلسون تلك المجالس: ... وهم في مراتب الأرباب
من أناس لا يُرتَضون عبيدًا
فلا عجب أن يحفز على الثورة الدموية: ... للنُكر غضاب ذوي سيوف غضاب
لهف نفسي على مناكير
تغسلُ الأرضُ بالدماءِ فتضحي ... ذات طهر ترابها كالملاب
إلى آخر هذه القصيدة الممتعة.
هذا الشاعر المبدع نراه هو نفسه يرثي خراب البصرة بأيدي الزنج أيّ رثاء.