في نهاية القرن 5/11، استسلم ملوك الطوائف لقوم جدد أتوا من أعماق الصحراء المغربية لكي يدفعوا المسيحيين الذين كانوا قد دخلوا طليطلة في سنة 478/1085 وهم المرابطون. إن هذا التغيير السياسي حول مسيرة العلوم الأندلسية وذلك لسببين: الأول: هو أنه لم يبق من العواصم الأندلسية إلا إشبيلية، وأما الثاني: فهو أن المرابطين فرضوا على الثقافة الفكرية أسلوبًا جديدًا، لكي ندرك ما للسبب الأول من تأثير ليس علينا إلا أن نذكر عدد المدن الأندلسية التي كانت عاصمة في مملكة مستقلة، وذلك قبل سقوط طليطلة: بطليوس، طليطلة، سرقسطة، طرطوشة، بلنسية، دانية، مرسية، المارية، إشبيلية، قرطبة، غرناطة، مالقة، ناهيك عن العواصم الأخرى الأقل أهمية. وكل هذه المدن كانت تحاول، على قدر استطاعتها، أن تدعم دائرة من الشعراء والعلماء. لذلك عندما فقدت تلك المدن استقلالها ودورها كمراكز ثقافية. إما تحت حكم المسيحيين وإما تحت حكم المرابطين، انقطعت حِرف كثير من الشعراء والعلماء.
أما السبب الثاني فلاشك أن مفهوم المرابطين للثقافة والعلوم يختلف عن مفهوم الطوائف. فمن جهة أولى نجد أن ملوك الطوائف، كما قلت سابقًا، اقتدوا بقرطبة الأموية وبغداد العباسية فأدرجوا الثقافة في سياساتهم الرسمية. وأما من جهة أخرى، فنجد أن المرابطين قد أهملوا الثقافة لأنهم -وكشعوب قادمة من الصحراء- لم يكتشفوا ثروة الحضارة العربية الإسلامية إلا في وقت لاحق. إضافة إلى ذلك، إن للإيديولوجية المرابطية عنصرًا دينيًا قويًا دفعهم إلى الارتياب والشك في العلوم ذات الأصل اليوناني (المعروفة بعلوم الأوائل) وخاصة الفلسفة (فمن المعروف أنهم لم يتقبلوا مؤلفات الغزالي وأمروا بحرقها) وكذلك علم الفلك (لارتباطه بالتنجيم) .