إن معظم الدارسين والباحثين الذين تعمقوا في دراسة الفلسفة الرشدية يؤكدون أنه صاحب مذهب عقلي، استمده عن أرسطو، وعن أسلافه؛ من قدريين أوائل، ومعتزلة، وفلاسفة، كالفارابي، وابن سينا، وابن طفيل، وابن باجه وغيرهم، فاستوعب أفكارهم، وتجاوزها في عدة مسائل، تخص المجال المعرفي، والوجودين الطبيعي، والاجتماعي، والإلهيات، وبهذا كما يقول الباحث الدكتور عمار عامر:"كان الوريث الشرعي لأرسطو، ولأسلافه الأوائل من المفكرين العرب المسلمين، حيث بلغت الفلسفة الإسلامية ذروتها على يديه، إذ أن الغائية بشكل عام، والإنسان منها بشكل خاص، ليست مسألة معرفية، أو مصطلحًا فلسفيًا يحمل معنى معرفيًا مجردًا، بقدر ما هي مشكلة واقعية عملية تخص التطوّر التاريخي عامة" (24) . لقد استطاع ابن رشد أن يستنطق الواقع وأن يسبر أغواره، ويتعرّف على مشكلاته، ويطرح مقولاته الفلسفية التي تحمل بين ثناياها الحلول المناسبة، وبذلك استطاع أن يجعل من الواقع موضوعًا لذاته الفاعلة (ممارسة وفكرًا) وبذلك تصبح الغائية الإنسانية ليست مفهومًا نظريًا، وإنما واقع موضوعي مصاغ (ذاتيًا واجتماعيًا) ومن خلال دراسة الفلسفة الرشدية في هذا السياق الذاتي والموضوعي، النظري، والتطبيقي الزماني والمكاني، وفي الإطار العام للفلسفة العربية الإسلامية، وخصوصية العقيدة المهدية، وما استلهمته من حكمة اليونان، وخاصة فلسفة أرسطو نستطيع استنباط الجذور البعيدة لهذه الفلسفة، واستقراء الملامح الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية للمجتمع الأندلسي، والمجتمعات المجاورة التي أثّرت وتأثرت بها الفلسفة الرشدية.