في ضوء هذا الفهم؛ نستطيع أن ندخل إلى رحاب الفلسفة الرشدية، ذلك أن ابن رشد يتوضح تأثره الكبير بالمعتزلة، وبالثقافة اليونانية، فالمعتزلة اعتمدوا الاتجاه العقلي في منهجهم، وقد طعن خصوم المعتزلة بما طرحوه من أفكار، وألحقوا بتلك الأفكار كثيرًا من التشويه والتحريف (8) . كما خاصم كثير من العلماء والفقهاء كابن تيمية، وابن صلاح، وابن قيم الجوزية، والصنعاني، والسيوطي، وغيرهم كثيرون، وحاربوا الفلسفة بسلاح الفلسفة نفسها. ويعدّ ابن رشد أكثر هذه الشخصيات إثارة للجدل، فهو رجل الفكر والممارسة، وفلسفته محيّرة حقًا: هل هي فلسفة مادية إلحادية صرفة كما يرى فريق من الباحثين؟ أم هي فلسفة إيمانية مثالية إسلامية تقوم على التأويل؟ كما يرى فريق آخر، أم هي فلسفة توفيقية تؤالف بين الدين والفلسفة، وتقيم نوعًا من التوازن بين العقل والقلب؟ كما يرى آخرون. إننا كلما تعمقنا في دراسة هذا الفيلسوف؛ نكتشف مكانته العلمية والتاريخية والفلسفية في عصره، وفي العصور التي تلت عصره، ويبرز أمامنا (( فيلسوفًا يرتدي الحديث عنه أهمية استثنائية، ذلك بفضل التحام فكر ابن رشد، بممارسته لهذا الفكر، مع ما يتضمنه هذا من مواقف صلبة في وجوه الكثيرين من أعداء الفكر العقلاني المتنوّر الذي دعا ابن رشد إليه، فأصابه في سبيله ما أصابه، من اضطهاد، ونبذ، وتشويه سيرة ) ) (8) . يرى (تراختن برغ) أن ابن رشد يتلاقى مع ديكارت في بعض تصوراته وأفكاره، ولا سيّما حول الماهيّة الإلهية حيث يقول ابن رشد (بأن الله مصدر للمادة في نهايتها لا في بدايتها) ، أي أنه يعتبر الله غاية لها، على نحو ما يقول أرسطو حين يميز العلّة الفاعلة من العلّة الغائية أن ابن رشد يحاول تفسير المادة تفسيرًا فيزيائيًا، أي أن المادة تشكل ذاتها، وتوجد الكائنات الحية بوساطة الحرارة، فإذا زالت الحرارة؛ زالت هذه الكائنات، وقد انتقلت هذه الفكرة الرشدية إلى الفيلسوف الإيطالي (برناردينو تيليزيو)