إن الأسلوب الذي اتبعه الباحثون في قراءة التراث العربي، ولا سيّما التطور الفكري والفلسفي فيه، في الأغلب الأعم، كان أسلوب قراءة النتاج الفكري الشخصي لمبدعي تلك الأفكار، دون النظر إلى أية علاقة لهؤلاء الأشخاص بظروف العصر الذي عاشوا فيه، ولا بخصائص المجتمع والعلاقات الاجتماعية السائدة فيه، ولا بأهمية السياق التاريخي في الكشف عن تلك العلاقات أي (( دون النظر إلى صلة العملية الفكرية بعملية التفاعل بينها، وبين مجموعة من العلاقات الاقتصادية، والاجتماعية والسياسية، والتاريخية ) ) (4) . لاشك أن هذا الأسلوب يقترب من المثالية والسطحية، أكثر من اقترابه من المنهجية، والواقعية، والعمق. فقراءة حياة الأشخاص، وسيرهم الذاتية، وأفكارهم، وآرائهم، غاية في الأهمية، لكنّها لا يمكن أن تنفصل عن الواقع الذي يعايشونه (زمكانيًا) فهناك علاقة جدلية، تبادلية، بين الفرد والمجتمع، داخليًا، وخارجيًا في السياق التاريخي لحركة التطور، وهناك في الوقت ذاته حوارات، وتأثيرات بين الثقافات، والحضارات، تدخل في نسيج التكوين الفكري، والفلسفي لتلك الشخصيات. ونحن حين نحاول الدخول إلى عالم ابن رشد الفلسفي؛ لابدّ لنا من قراءة هذا التأثر على الصعيد الداخلي بين من سبقوه من الفلاسفة والمفكرين العرب المسلمين، وغير العرب المسلمين في حضارات، وثقافات أخرى، كاليونانية، والفارسية، والهندية، وبعض الباحثين ينظر إلى (( علاقة التبادل بين ثقافات الشعوب، بعضها مع بعض، نظرة ميكانيكية صرفة، يكتفي بأن تنتقل ثقافة شعب إلى شعب آخر، بوسيلة ما، لكي تسيطر على تفكير الشعب الذي انتقلت إليه، ولكي تنفي السمات الخاصة لثقافته، وتطبع هذه الثقافة بطابع سماتها هي، أي سمات الثقافة الخارجية الوافدة ) ) (6) .